الصفحة 17 من 24

حال دون انتفاع البعض بهذا التفسير الكبير، وصد عن الاغتراف من سيله المتدفق، وطريقته المتميزة، في كشف بعض الجوانب من الحقائق التي يزخر بها هذا الكتاب العظيم.

يقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور - رحمه الله تعالى:"وإذا كان بعض الناس لم يزل في شك من القيمة السامية لهذا التفسير، فإن كلمة قديمة لاكتْها الألْسُن، قد كانت من أعظم أسباب هذا الشك، وذلك ما راج في مجالس العلماء قديما وحديثا من أن تفسر الرازي قد اشتمل على كل علم إلا التفسير، فإنها كلمة صدرت من غير رويّة ولا تحقيق" (1) .

وصدق - رحمه الله تعالى -، فلذا فهي تحتاج إلى إعادة نظر وتصحيح، ولعل الأعدل فيها أن تكون: فيه كل شيء مع التفسير (2) . نظرا لاستطرادات الرازي وكثرة تفريعاته.

ولعلها إنما صدرت بناء على قول الرازي في مقدمة تفسيره:"إعلم أنه مرّ على لساني في بعض الأوقات، أن هذه السورة - يعني سورة الفاتحة - يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحساد، وقوم من أهل الجهل والغي والعناد، وحملوا ذلك على ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعاني، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول، قريب الوصول" (3) .

فكان هذا سببا مهما في إطلاق تلك العبارة، وإصدار ذلك الحكم على التفسير كله، وكأنهم رأوا أن الرازي سلك هذا المنهج في جميع تفسيره، ولكن الدكتور محسن عبد الحميد الذي درس تفسير الرازي من أوله إلى آخره يرى: أن منهجه في تفسيره لجميع سورة القرآن بعد الفاتحة وإن اتفق في بعض خطوطه العامة مع منهجه السابق، إلا أنه يختلف عنه في التفاصيل والجزئيات، ثم دلّل على ذلك بأمثلة متعددة، ظهر منها ومن غيرها أن كثيرا من استطرادات الرازي التي عيب عليها متصل بالتفسير، فمثلا في قوله تعالى: {وَقَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَدْخُلُوْا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوْا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67] ، قال المفسرون: إنه خاف عليهم من عين الحسد، والقارئ لكتاب الله عندما يقرأ هذه الآية تتزاحم في ذهنه أسئلة حول حقيقة العين، وما جاء فيها من المنقول

(1) انظر"التفسير ورجاله"ص 81.

(2) انظر ماتقدم في الصفحة السابقة هامش (1) .

(3) انظر"التفسير الكبير"1/ 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت