ومما يلقي الضوء على ما تقدم، أن الرازي لم يكن متعصبا ولا مغاليا، ولا قانعا باليسير من الاطلاع، وأنه كان شديد الاشتياق إلى الوقوف على الحق، كما صرح به في وصيته التي أملاها عند موته، ولذا فهو يعرض أدلة الخصوم وافية، وينقل الأقوال جميعها، ليعلم خصومه أنه على دراية تامة بالفكرة التي يتعرض لمناقشتها، وهذا بحد ذاته، مسلك نبيل، يدل على الأمانة العلمية، والتحلي بآداب المناظرة، وبعد ذلك فقد يردّ ردًا قويا مماثلا، وقد يكتفي بالقليل - أحيانا - لما ذكرنا، وقد يسكت - على ندرة - فلا يرد بشيء.
ألا إن الإمام الرازي - رحمه الله تعالى - لم يُنْصف بهذه العبارات المطلقة، وإن الذين أصدروا تلك الأحكام في حقه وحق تفسيره لم يصيبوا، ومن لم يقتنع بما تقدم، فها هو التفسير الكبير أمامه، فليعمد إلى دراسته دراسة واعية متأنية، تتّسم بالتتبع والتأمل، ليكون على بيّنة من ذلك، ولتكون الأحكام - بعدئذ - أمثر دقة وإحكاما.
وقد أحسن الشيخ الزرقاني - رحمه الله تعالى - إذ عدّه على رأس أهل السنة الذين استبسلوا في الدفاع عن عقيدتهم، لا سيما في تفسيره"مفاتيح الغيب"حيث شنّها حربا شعواء في كل مناسبة على أهل الزيغ والانحراف في العقيدة، وقد سلك في تفسيره مسلك الحكماء الإلهيين، فصاغ أدلتهم في مباحث الإلهيات على نمط استدلالاتهم العقلية، ولكن مع تهذيبها بما يوافق أصول أهل السنة، وكذلك تعرض لشبههم بالنقض والتفنيد في كثير من المواضع (1) .
ولنتأمل فيما ذكره الصفدي من أنه: إذا ذكر للفلاسفة أو غيرهم من خصومه شبهة، ثم أخذ في نقضها، فإما أن يهدمها ويمحوها ويمحقها، وإما أن يزلزل أركانها، من ذلك، أنه أتى إلى شبهة الفلاسفة في أن وجود الله تعالى عين ذاته، ولهم في ذلك شبه وحجج قوية مبنية على أصولهم التي قرروها، فقال: هذا كله ما نعرفه، ولكن نحن نعلم قطعا أن الله تعالى موجود، ونشك في ذاته ما هي، فلو كان وجوده عين ذاته، لما كنا نعلم وجوده من وجهٍ ونجهله من وجهٍ، إذ الشيء لا يكون في نفسه معلوما مجهولا، هذا أمر قطعي. فانظر إلى هذه الحجة، ما أقواها وأوضحها وأجلاها، كيف تهدم ما بنوه وتدكدك ما شيّدوه وعلّوه (2) ، وبذلك تعرف أنه ليس العبرة بطول الردّ أو قصره، إنما بما يدحض الشبهة في نظره.
(1) انظر"مناهل العرفان"2/ 96 - 97.
(2) انظر"الوافي بالوفيات"4/ 252.