الصفحة 21 من 24

قوية، ومناقشات علمية طريفة، تثبت قدرة الرازي على مقارعة الحجة بالحجة (1) .

فكيف يقال: إن هذه دأبة وديدنه؟

وقد سبقه الدكتور فتح الله خليف حين وصف هذه الأحكام على تفسير الرازي بأنها خاطئة، وأن أصحابها لم يكلفوا أنفسهم مشقة دراسة هذا التفسير الكبير وتأمل مباحثه. ومن ثمة، فإن هذا التفسير الكبير لم ينل العناية التي يستحقها من العلماء القدماء والمحدثين على السواء، وأن هذه الآراء المتباينة حول قيمة تفسير الرازي لم تستند إلى أرضية صلبة من الدراسة والبحث (2) .

وأما النقطة الثانية في كلمة الإمام الطوفي - رحمه الله تعالى - فغير مسلمة - أيضا - والاعتذار غير مقبول، فما كان للرازي وهو الموصوف بسعة العبارة في القدرة على الكلام، وصحة الذهن، والاطلاع الذي ما عليه مزيد، والحافظة المستوعبة، والذاكرة التي تعينه على ما يريده في تقرير الأدلة والبراهين ... (3) أن يفعل مثل هذا، ولا أن يكتفي به، حتى لو سلّمنا أن قواه قد ضعفت، وأكبر الظن - والله أعلم - أن الإمام الرازي يرى أن ذلك كاف. وأن أدلة الخصم على كثرتها وجودة تقريرها، يكفي أن تجتث شأفتها بكذا وكذا، وهذا أشبه بمن يترك الرد أصلا، إشارة إلى أن الشبهة واهية لا تستأهل الرد، يكفي في ردّها وكشف عوارها مجرد النظر والتأمل، ولعل هذا هو سرّ سكوت الرازي عن الرد أصلا في بعض المواضع، هذا ... مع احتمال تقدّم الرد، فالرازي وإن تقدم عنه أنه قد يكرر بعض الأجوبة، فإنه قد يكتفي بها في بعض الأحيان، يقول - رحمه الله تعالى - في تفسير قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيْرًا وَيَهْدِيْ بِهِ كَثِيْرًا} [البقرة: 26] ، ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا الموضع عن الآيات (4) .

نعم، إن قول الطوفي عن الرازي - رحمهما الله تعالى: إنه لو اختار قولا أو مذهبا ما كان عنده من يخاف منه حتى يستر عنه ... مسلّم، وهذا أمر بيّن لمن عرف شخصية الرازي، ووقف على سيرته ومكانته العلمية والاجتماعية والدينية والسياسية.

(1) انظر"الرازي مفسرا"ص 194، وانظر ما ضربه من الأمثلة في مبحث مناقشته للمعتزلة والشيعة ص 230 - 237، وانظر"التفسير الكبير"17/ 172 - 176 عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَا بِإِذْنِ اللهِ ... } [يونس: 100] .

(2) انظر"فخر الدين الرازي"ص 60 وقبلها ص 2.

(3) انظر:"الوافي بالوفيات"4/ 248.

(4) انظر"التفسير الكبير"2/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت