فهرس الكتاب
القوى، ولا شك أن القوى النفسانية تابعة للقوى البدنية، وقد صرح في مقدمة"نهاية العقول": أنه مقدر مذهب خصمه تقريرا لو أراد خصمه تقريره لم يقدر على الزيادة على ذلك (1) .
وقول الطوفي هذا، فيه نظر، وذلك في نقطتين:
الأولى: تقريره لإطلاق تلك المقولة، ثم سحبها على سائر كتبه الكلامية.
والثانية: في اعتذاره عنه بضعف قواه، ثم عجزه عن الرد لذلك.
أما الأولى: فغير مسلمة، وإطلاقها - هكذا - غير دقيق، فإن المتتبع لكلام الرازي - لا سيما في التفسير الذي نحن بصدد الحديث عنه - يجد أن له ردودا علمية متينة تأتي على شبهة الخصم وتجتثّها من أصولها، خاصة المعتزلة الذين أخذت شبههم وردودها مساحة واسعة في مواضع متعددة من تفسيره الكبير، حتى إن جولد تسهير اكتفى في عبارته الوجيزة عنه (2) بقوله: وقد عمد المتكلم الكبير والفيلسوف الديني فخر الدين الرازي في تفسيره العظيم للقرآن"مفاتيح الغيب"الذي ينبغي عدّه خاتمة أدب التفسير المثمر الأصيل، إلى الاستمرار على ملاحظة ما تستنبطه مدرسة المعتزلة عن طريق التفسير والرد عليها من حين إلى آخر بطريقة وافية (3) . بل إن الرازي نفسه أدرك ذلك فقال معتذرا:
وليس لأحد أن يعيبنا فيقول: إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع، فإنا نقول إن هؤلاء المعتزلة لهم وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء، فهم يكررونها في كل آية، فنحن - أيضا - نكرر الجواب عنها في كل آية (4) .
إن النظرة العجلي، غير نظرة التروّي والتأمل، وقراءة بعض المناقشات والردود، غير قراءة الجميع، ونتيجة هذه - كما هو بيّن - لا تكون كنتيجة تلك، وفي هذا يقول الدكتور محسن عبد الحميد - الذي درس تفسير الرازي كله دراسة واعية متأنية -.
وعند دراستي هذا التفسير وجدت أن هذه الأقوال - يريد تلك التي تطعن في تفسير الرازي من هذه الناحية - لا تمثل الحقيقة كلها، إذ هي لا تخلو من تعصب ومغالاة ... نعم، إننا نستطيع في أماكن عدة أن نؤاخذ الرازي على تقصيره في الرد القوي، ولكننا نلاحظ في أماكن أخرى ردودا
(1) انظر كلمة الطوفي بطولها في كتابه:"الإكسير في علم التفسير"ص 26 - 27، وانظر"لسان الميزان"4/ 428.
(2) انتقد الدكتور فتح الله خليف جولد تسهير لاكتفائه بهذه الإشارة العابرة إلى تفسير الرازي دون أن يكلف نفسه مشقة دراسة هذا التفسير الكبير. انظر ص 60.
(3) انظر"مذاهب التفسير الإسلامي"ص 146.
(4) انظر"التفسير الكبير"13/ 154 عند تفسير الآية 110 من سورة الأنعام. وانظر مثلا 17/ 179.