فهرس الكتاب
المبحث الثالث
جواب القول
لم يشر البلاغيون عند تقسيم الاستئناف، الى ان جواب القول هو القسم الثالث من اقسامه، الا ان الامثلة التي ذكروها تدل على ذلك، وقد اعتمدوا في ذلك على ما بذله الشيخ عبد القاهر الجرجاني من جهود طيبة عند بحثه موضوع (الفصل والوصل) ومن ذلك تعامله مع الفعل (قال) حينما ياتي مفصولا عما قبله حتى اننا نجده يضع قاعدة لذلك بقوله: (( واعلم ان الذي تراه في التنزيل من لفظ قال مفصولًا غير معطوف، هذا هو التقدير فيه والله اعلم ) ) [1] .
أي يقدر سؤال بعد القول الأول، ثم يشرح ذلك قائلا: (( فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين اذا قيل لهم: دخل قوم على فلان فقالوا: كذا، ان يقولوا: فما قال هو؟ ويقول المجيب: قال كذا؛ اخرج الكلام ذلك المخرج لان الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسلك باللفظ المسلك الذي يسلكونه) [2] . ثم ياتي بعدة امثلة من القرآن الكريم لتعزيز هذه القاعدة. وقد تابعه في ذلك من جاء بعده، فنجد ان ابن الزملكاني يتابعه في ذلك كما تابعه في معظم كتابه (التبيان) فيقول: (اذا رايت لفظ قال مفصولًا غير معطوف فاعلم ان هذا تقديره مثل قوله تعالى:(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ* فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ* فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) [3] [4] .
كما تابعه اصحاب شروح التلخيص في ذلك وجعلوا من هذه القاعدة القسم الثالث والاخير من انواع الاستئناف فنجد صاحب (مواهب الفتاح) يقول (واما ان يكون ذلك السؤال عن غيرهما أي عن غير السبب المطلق وعن غير السبب الخاص بل عن حكم اخر يقتضي المقام السؤال عنه وذلك نحو قوله تعالى"قالوا سلاما"
(1) دلائل الاعجاز: 244.
(2) م. ن: 244.
(3) التبيان في علم البيان: 143.
(4) سورة الذاريات الآيات من (24 - 28) .