يكون فيه تعذيبكم حكمة وصوابًا انما علم ذلك عند الله، فكيف ادعوه بان يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه انتم) [1]
وما يدور في هذه الآية المباركة يدخل ضمن الجدل - ايضًا - وكانت (انما) من افضل الأدوات التي يفتتح بها الرد على المجادلين.
وقد تخرج (انما) قليلًا عما اعتدنا عليه فيكون الخطاب فيها موجهًا للمؤمنين كما في قوله تبارك وتعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ* قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [2] ان الذين نصحوا بهذا الكلام لابد من ان يكونوا من المؤمنين (وقيل ان القائل موسى عليه السلام) [3] . ولذا فان (انما) هنا لم يخاطب بها المشركون او احد ممن سار على طريق الباطل وهذا هو الفرق بينها وبين (انما) في الآيات التي سبقتها. ومن ذلك ايضا قوله جل شانه (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) [4] فالنهي هنا موجه لليهود فجاء ردهم على هذا النهي مفتتحًا بـ (انما) وقد (دخلت انما لتدل على انهم حين ادعوا لأنفسهم انهم مصلحون اظهروا انهم يدعون من ذلك أمرًا ظاهرًا معلومًا ولذلك أكد الأمر في تكذيبهم والرد عليهم فجمع بين(الا) الذي هو للتنبيه وبين (ان) الذي هو للتأكيد فقيل: (( الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) ) [5] .
(1) الكشاف، 4: 307.
(2) القصص: (76 - 78) .
(3) الكشاف، 3: 191.
(4) البقرة: (11) .
(5) دلائل الاعجاز: 336: وينظر: نهاية الايجاز: 182، ومفتاح العلوم: 517، والمعاني في ضوء اساليب القرآن: 296.