أما الغرض من هذا التمثيل فهو بيان حال هؤلاء، وإظهارهم بشكل يدعو إلى السخرية من فعلهم ومن عقولهم لأنهم يقفون هذا الموقف، أمام قدرة الباري عز وجل، وقد وقع التمثيل في جواب سؤال ضمني عام، إذ ينشأ في الذهن سؤال عن السبب في عدم هداية هؤلاء القوم الظالمين؟ فيكون الجواب بأنهم (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ... ) .
وتبرز في التمثيل قوة خاصة للبلاغة القرآنية لأن التمثيل يبعث (المعنى إلى النفس بوضوح وجلاء مؤيدا بالبرهان، وان أتى بعد استيفاء المعنى كان دليلا على تمكنه في النفس ورسوخه في الذهن وثبوته) [1]
أما مصدر هذه التشبيهات الواردة في الجواب القرآني فنلاحظ أن ثلاثة منها قد صدرت هنا عن الباري عز وجل، وهي تشبيه الناس بالفراش المبثوث، والجبال بالعهن المنفوش، وهو تشبيه مرسل بسبب ذكر أداة التشبيه، وهو تشبيه مجمل لعدم ذكر وجه الشبه، أما التشبيه الثاني، وهو عن تشبيه إيمان المنافقين بالجنة، فهو تشبيه بليغ لعدم ذكر أداة التشبيه ووجه الشبه، وكان الغرض من هذا التشبيه فضح هؤلاء المنافقين.
أما التشبيه الثالث فكان تشبيها تمثيليا يقوم على تشبيه هيئة بهيئة أخرى، إذن فكل تشبيه كان يصب في هدف معين، فقد كان التشبيه الأول مما يصور
أهوال، ومشاهد يوم القيامة، وكان التشبيه الثاني يصور حال المنافقين، وكان التشبيه الثالث يصور واقع حال أعداء الإسلام من الظالمين والمشركين، ويتضح من ذلك ان التشبيه في الجواب القرآني لم يركز على جانب واحد فقط، بل ركز على جوانب عدة، فكان كل تشبيه يخدم غرضا معينا، كما ان التشبيه الأول قد وقع في جواب سؤال صريح، بينما كان التشبيهان الثاني والثالث واقعين في جواب سؤال مقدر.
وهناك تشببيه بليغ وقع في جواب سؤال قد وجه إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه عن اليتامى، وقد أمر بالإجابة عليه من الله تعالى، وهو تشبيه بليغ
(1) التصوير البياني: 116، وينظر: أسرار البلاغة: 101 ـ 102.