الصفحة 128 من 173

من الخلائق ما لا يحصي عددها إلا هو تعالى، فقد استخدم اسم الإشارة (ذلك) ليشير إلى مجمل تلك الخلائق بهذه الإشارة الموجزة التي تتيح للمخاطب التفكير في مخلوقات الله تعالى، وعدم التعجب من خلق يحيى وعيسى ـ عليهما السلام ـ عن طريق المعجزة.

أما الكيفية الخاصة التي يقوم عليها هذان التشبيهان، فهي في تلك الإشارة الموجزة إلى مجمل القدرة الإلهية في الخلق، ولذا فان (كذلك) لم تستخدم في هذا النوع من التشبيه إلا للتدليل على أمور تقوم عل خرق العادة، وتعتمد الإعجاز، ولكنها لا تعد شيئا إذا ما قيست بقدرة البارئ عز وجل، وكان هذان التشبيهان واقعين في جواب عن سؤال صريح اعتمد الأداة (أنى) التي استفهم بها عن كيفية ذلك الخلق الخارق للعادة والنواميس الطبيعية، ومثلما احتوى جواب القران على التشبيه فقد احتوى على (التمثيل) أيضا، وقد حدده السكاكي بما كان (( وجهه وصفا غير حقيقي، وكان منتزعا من عدة أمور ) ) [1] ، إلا أن الخطيب القزويني لا يقول بغير الحقيقي شرطا للتشبيه التمثيلي بل يشترط انتزاع الوجه فيه من عدة أمور [2] .

كما في قوله تعالى: (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [3] .

لقد شبه حال هؤلاء الظالمين (بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه(والله متم نوره) أي؛ متم الحق ومبلغه غايته) [4] ، لقد قام الجواب على علاقة بين هيئتين فهؤلاء (يريدون عوق ظهور الإسلام كمثل قوم يريدون إطفاء النور، فهذا تشبيه الهيئة بالهيئة، تشبيه المعقول بالمحسوس) [5] .

(1) مفتاح العلوم: 575.

(2) ينظر: التلخيص: 247، والإيضاح: 254 ـ 255.

(3) الصف: (7ـ8)

(4) الكشاف، 4: 525.

(5) التحرير والتنوير، 28: 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت