فهرس الكتاب
خلال التعبير البليغ، ولما كانت هذه الاستعارات قد وردت في مواقف مختلفة، فقد كان لا بد من أن تتسع الفجوة أو تضيق بين المشبه، والمشبه به، أو المستعار والمستعار له، فقد جاءت بعض الاستعارات أبلغ من غيرها، كما في استعارة الخوض للكلام الباطل، واستعارة الصراط المستقيم للدين، أو الشريعة، واستعارة الضلال بعدم اتباع المنهج الالهي، أو استعارة الاذاقة للعذاب، أو الختم للمنع من رؤية الحق، أو الثقب للنجم، التي هي من (( مبتكرات القرآن الكريم، ولم ترد في لغة العرب فبل القرآن ) ) [1] .
وحينما نمعن النظر في المستعار والمستعار له نجد الكمية الأكبر، تقوم على كون المشبه عقليا، أو المشبه به محسوسا، وهذا يعني أن هذه الاستعارات كانت ترمي إلى تصوير هذه الأمور العقلية وتشبيهها بأمور حسية من أجل تقريبها قدر الإمكان من ذهن المخاطب مع المحافظة على جمال الأسلوب وقوة التعبير.
ولعل السبب في كون الاستعارة التصريحية اكثر من المكنية هو ان الاستعارة المكنية ابلغ من التصريحية [2] ، وقد يكون مرد ذلك إلى أن المسافة بين المشبه والمشبه به في المكنية أبعد منها في التصريحية مما يتطلب من المخاطب إعمال فكره من اجل الربط بين المشبه والمشبه به، بينما الغاية من الجواب هي إيضاح المبهمات، والإجابة على الأسئلة الكثيرة الواردة في القرآن الكريم، التي كان بعضها في موضوعات دقيقة جدا، وذلك يتطلب خطابا يجمع بين الوضوح، والدقة من جهة، وبين التأثير في النفس، والبلاغة العالية التي تناسب المقام من جهة أخرى، وتجدر الإشارة إلى ان استعارة التبعية كانت أكثر بكثير من الاستعارة الأصلية التي تكون في الاسم الجامد غير المشتق.
(1) التحرير والتنوير، 30: 259.
(2) ينظر: الاتقان في علوم القرآن، 2: 60.