فهرس الكتاب
عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ )) [1] .
لقد وردت الاستعارة في الآية الأولى في قوله (ثم نذيقهم العذاب الشديد) ، وفي الآية الثانية في قوله (قال فذوقوا العذاب) ، فالتجوز هنا بلفظ (نذيقهم) عن الابتلاء وملابسة العذاب الشديد [2] ، إذ ان الأصل في الاذاقة ان تكون بالفم عن
طريق اللسان، اما هنا فقد شبه تعذيب هؤلاء بالاذاقة، وقد بنيت هذه الاستعارة على تشبيه المحسوس بالمحسوس، وقد وردت الاستعارتان في جواب سؤال ضمني، والاستعارتان مكنيتان تبعيتان.
وقال تعالى (( وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ) [3] .
لقد وردت الاستعارة في (ان ربي يبسط الرزق لمن يشاء) (( وبسط الرزق تيسيره وتكثيره، واستعير له البسط، وهو نشر الثوب ونحوه، لأن المبسوط تكثر مساحة انتشاره ) ) [4] ، إذن فهذه تعتمد على تشبيه تكثير الرزق ببسط الثوب وغيره، فيكون من تشبيه المعقول بالمحسوس، فالله تعالى قد شبه تكثير الرزق ببسط الثوب، أي مده، فحذف المشبه به وأبقى شيئا من لوازمه، وهو البسط، والاستعارة هنا مكنية تبعية، وهي واردة ضمن جواب عن سؤال مقدر، إذ بعد تفاخر هؤلاء بأموالهم وأولادهم يتبادر إلى الذهن، وماذا كان الرد على قول هؤلاء؟ فيأتي الجواب (قل الله يبسط الرزق لمن يشاء ... ) .
يتضح مما تقدم ان الاستعارة التصريحية اكثر ورودا من الاستعارة المكنية في جواب القرآن الكريم، وكانت الاستعارة اكثر فنون البيان ورودا في هذا الجواب، وقد أضفت هذه الاستعارات على المعنى بعدا جديدا أكسبه قوة في إيصال الفكرة من خلال عرض الجواب مع مراعاة تحقيق التأثير المطلوب في نفس المخاطب من
(1) الانعام: (30) .
(2) ينظر: أساليب المجاز في القرآن الكريم: 231.
(3) سبأ: (35 ـ 36) .
(4) التحرير والتنوير، 2: 214.