الصفحة 143 من 173

وقد جاء المجاز في قوله (بيت من المسلمين) ، إذ المقصود أهل ذلك البيت، وليس البيت نفسه، أي أطلق المحل وأراد من حل فيه، وقد ورد ذلك في كلام الملائكة مع إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد أن نفذوا أمر الله تعالى بالقضاء على العصاة من قوم لوط عليه السلام، وقد وقع هذا المجاز المرسل في جواب سؤال ضمني تقديره: ومن هم أولئك المؤمنون الذين أخرجهم الله تعالى؟.

ومن هذه العلاقة ورد قوله جلت قدرته (( وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ) ) [1] ، وقد جاء المجاز المرسل في قوله (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) ، وكأن الله تعالى يقول لهؤلاء (( افرضوا شيئا آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر، والحديد بحيث يستبعد عقلكم كونه قابلا للحياة ) ) [2] ، وقد أطلق الباري عز وجل كلمة (صدوركم) وأراد بها (العقول) ، ولما كان الصدر يضم القلب الذي كثيرا ما يذكره القرآن الكريم، ويريد به العقل [3] ،فقد حسن هذا المجاز أي أنه قد ذكر المحل وأراد من يحل فيه.

إن التعبير القرآني يؤثر استخدام المحل في الآية الكريمة لمجابهة هؤلاء المشركين المنكرين حياتهم بعد الموت بحيث ينقلهم إلى جو يفوق مجال الإدراك الحسي والبديهيات التي يعرفونها، ليكون ذلك أبلغ في تبكيتهم، وإشعارهم بضآلتهم أمام القدرة المطلقة لخالق السماوات والأرض.

ومن علاقات المجاز المرسل التي كان لها نصيب في الجواب القرآني العلاقة الحالية، أي أن يذكر لفظ الحال ويراد به المحل، أي على العكس من العلاقة السابقة، ومنها قوله سبحانه تعالى: (( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ) ) [4] ، وقد جاء المجاز المرسل في قوله (مقاما

(1) الإسراء (49 ـ 51) .

(2) التفسير الكبير، 20: 226.

(3) ينظر: الإتقان في علوم القرآن:، 2: 49.

(4) الإسراء: (79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت