للقرآن تأثر كبير على النفس البشرية عامة، يهزها ويجذبها، ويضرب أوتارها، وكلما اشتدت النفس صفاء، كلما ازدات تأثرًا، والطفل أقوى الناس وأكثر الناس صفاء، وفطرته ما زالت نقية، والشيطان ما زال في كبوته تجاهها، وإذا تأملنا الآيات المكية وجدنانا قصرة، تتناسب مع نفََسٍه القصير، بالإضافة إلى قصار السور، التي تقدم للطفل موضوعًا متكاملًا بكلمات قليلة، سهلة الحفظ، قوية التأثير، والكاتب الأديب مصطفى صادق الرافعي رحمه الله، فصَّل هذا البيان بشكل أوسع فقال [1] :"إن لهذه السور القصار لأمرًا، وإن لها في القرآن لحكمة،هي من أعجب ما ينتهي إليه التأمل، حتى لا يقع من النفس إلا موقع الأدلة الإلهية المعجزة، فهي لم تنزل متتابعة، في نسق واحد، على هذا الترتيب، الذي تراه في المصحف،إذ لم يكن أول ما نزل من القرآن ولا آخره - {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} (1) سورة الناس، ثم هي بجملتها، وعلى إحصائها لا تبلغ من القرآن أكثر من جزء واحد، والقرآن كله ثلاثون جزءًا، وهو يتسع من بعدها قليلًا وكثيرًا، حتى ينتهي إلى الطول، فقد علم الله أن كتابه سيثبت الدهر، على هذا الترتيب المتداول للحفظ، بأسباب أظهرها في المنفعة وأولها في المنزلة هذه السور القصار التي تخرج من الكلمات المعدودة إلى الآيات القليلة، والتي هي مع ذلك أكثر ما تجيء آياتها على فاصلة قليلة، مع قصر ما بين الفاصلة والفاصلة، فكل آية في وصفها، كأنها سورة من كلمات قليلة:"
-لا يضيق بها نَفَسُ الطفل الصغير .
-وهي تتماثل في ذاكرته بهذه الفواصل، التي تأتي على حرف واحد، أو حرفين أو حروف قليلة متقاربة. ... ...
-فلا يستظهر الطفل بعض هذه السور، حى يلتئم نظم القرآن على لسانه، ويثبت أثره في نفسه، فلا يكون بعد إلا أن يمرَّ فيه مرًّا.
(1) -تاريخ آداب العرب 2/206