-وهو كلما تقدم وجده أسهل عليه، ووجد له خصائص تعينه على الحفظ، وعلى إثبات ما يحفظ، فهذا المعنى من قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} (82) سورة الإسراء.
وهي لعمر الله رحمة وأي رحمة، وإذا أردت أن تبلغ عجبًا من هذا المعنى، فتأمل سورة في القرآن، وأول ما يحفظه الأطفال وهي سورة {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} (1) سورة الناس، وانظر كيف جاءت في نظمها:
كيف تكررت الفاصلة وهي لفظة الناس؟!
وكيف لا ترى في فواصلها إلا هذا الحرف: السين؟! الذي هو أشد الحروف صفيرًا، وأطربها موقعًا من سمع الطفل الصغير، وأبعثها لنشاطه واجتماعه .
وكيف تناسب مقاطع السورة عند النطق بها، مع تردد النفَس في أصغر طفل يقوى على الكلام، حتى كأنها تجري معه، وكأنها فصِّلت على مقداره؟!
وكيف يطابق الأمر كله، من جميع جهاته في أحرفها ونظمها ومعانيها؟!
ثم انظر كيف يجيء ما فوقها على الوجه الذي أشرنا إليه ؟!
وكيف تمت الحكمة في هذا الترتيب العجيب ؟!
كل ذلك يحصل للطفل وأكثر من ذلك، ومن تعامل مع الأطفال عند حفظهم لقصار السور يرى ذلك، ويلمس ذلك بيديه .
وهذا نموذج عملي من تأثر الأطفال بالقرآن:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } [التحريم: 6] تَلَاهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ - أَوْ قَالَ: يَوْمٍ - فَخَرَّ فَتًى مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَوَضَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ عَلَى فُؤَادِهِ فَإِذَا هُوَ يَتَحَرَّكُ فَقَالَ: يَا فَتَى، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَالَهَا فَبَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ بَيْنِنَا فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى { ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } [إبراهيم: 14] " [1]
(1) - شعب الإيمان - (2 / 197) (720 ) حسن