الصفحة 116 من 261

ومن أسباب الغضب كذلك الوشاية والنميمة، قال في موارد الظمآن: « فمن الناس من يغضب لمجرد وشاية نقلت إليه عن بعض الناس ، أو لمجرد نميمة بلغته من نمّام بدون أن يتثبت في الأمر» [1] .

تلك كانت أهم الأسباب المؤدية إلى الغضب .

ولسائل أن يسأل فيقول: وهل للغضب من علاج ؟

فأقول وبالله التوفيق: إن لنا فيما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من علاج لهذا الداء الخطير غنية عما يقول غيره ، إذ إنه عليه الصلاة والسلام قد علمَّ أمته علاج ذلك بأنواع شتى ، ومن ذلك:

النوع الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم .

وقد ورد ذلك في القرآن العظيم حيث يقول سبحانه: { چ ? ? ? ? ? ? ? ? } [2] وذكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -: فعن سليمان بن صُردٍ رضي الله عنه قال: استبَّ رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد . فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: تعوذ بالله من الشيطان) [3] .

قال ابن حجر رحمه الله: « الغضب نوع من شر الشيطان ، ولهذا يخرج به عن صورته ، ويزيّن إفساد ماله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته ... ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال ، وقد أخرج أبو داوود من حديث عطية السَّعدي رفعه: ( إن الغضب من الشيطان ) الحديث » [4] .

ولعل الحكمة من التعوذ من الشيطان عند الغضب ، أن الغضب من الشيطان، وأن الاستعاذة تطرده كما وأنَّ الشيطان خلق من نار ، والماء يطفئ النار .

النوع الثاني: الوضوء ، وذلك بأن يتوضأ الغضبان ليذهب عنه ما يجد ولذلك أرشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى ذلك ، فعن عطية السعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) [5] .

النوع الثالث: تبديل الحالة التي يكون فيها عند الغضب ، وذلك إذا غضب وهو قائم مثلًا فليجلس ، أو كان جالسًا فليضطجع ، أو غير ذلك ، وهذا الأمر قد أرشد إليه الشارع ، فعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب و إلا فليضطجع) [6] .

« وقد قيل: إن المعنى في هذا أن القائم متهيئ للانتقام ، والجالس دونه في ذلك والمضطجع أبعد عنه ، فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام » [7] .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: « وإن كان قائمًا فليقعد ، وإن كان قاعدًا فليضطجع ، وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه حتى لا ينفذ غضبه ، فيندم بعد ذلك » [8] .

النوع الرابع: السكوت واللزوق بالأرض ، والسكوت « دواء عظيم للغضب لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا ، مما يعظم ضرره ، فإذا سكت زال هذا الشر كله عنه» [9] .

وقد جاء في ذلك حديث ، وفيه مقال ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا غضب أحدكم فليسكت ، قالها ثلاثًا ) [10] .

أما اللزوق في الأرض (الإلصاق) فقد ورد فيه حديث ضعَّفه بعضهم وحسَّنه الترمذي ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته: ( ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ، أما رأيتم إلى

(1) عبد العزيز السلمان في موارد الظمآن: ج 3 / 346 .

(2) سورة الأعراف آية رقم ( 200 ) .

(3) أخرجه البخاري كتاب الآداب باب ما ينهى عن السباب واللعان حديث رقم ( 6048 ) ومسلم كتاب البر والصلة باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب حديث رقم ( 2610 ) .

(4) فتح الباري 10 / 482 .

(5) أخرجه أبو داوود في كتاب الأدب باب ما يقال عند الغضب حديث رقم ( 4784 ) والحديث قد ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داوود برقم ( 4784 ) ، ص 392 .

(6) أخرجه أبو داوود في كتاب الأدب باب ما يقال عند الغضب حديث رقم ( 4782 ) والحديث صحيح كما صححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود برقم ( 4782 ) ، 3 / 174 .

(7) جامع العلوم والحكم ج 1 / 365 .

(8) شرح رياض الصالحين 1 / 212 .

(9) جامع العلوم والحكم ج 1 / 366 .

(10) رواه أحمد والبزار وفي سنده ليث بن أبي سليم وقد اختلط جدًا ، ولم يتميز حديثه، فترك كما قاله ابن حجر في التقريب ص 818 ، وهو ضعيف كما نقله صاحب حاشية جامع العلوم والحكم المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت