الصفحة 197 من 261

، فقال: ( السيد الله تبارك وتعالى ) قلنا ، وأفضلنا ، فضلًا ، وأعظمنا طولًا ، فقال: ( قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينّكم الشيطان ) [1] .

فالنبي هاهنا أنكر عليهم قولهم: أنت سيدنا ، وعلّل ذلك بأن السيد هو الله تبارك وتعالى ، ثم سكت عن باقي المدح إعلامًا منه عليه الصلاة والسلام أنه صواب ، ولا شيء فيه لكنهم ينبغي لهم أن لا ينساقوا وراء الشيطان في كثرة المدح .

وهذا الموضوع - إنكار الخطأ وقبول بقية الصواب - يدلّ على منهج النقد أيما دلالة حيث إن من تعاريف النقد اللغوية: أنه تمييز الدراهم عن غيرها ، والنقر بالإصبع في الجوز [2] .

فكأن إنكار موضع الخطأ وقبول بقية الصواب كتمييز الدراهم بعضها من بعض لمعرفة الجيد منها والرديء ، وكذلك النقر للجوز لمعرفة الصحيح منه، وغير الصحيح ، ولذلك فقد استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج حتى في العبادات ، فقد أقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس على بعض الأمور مع الإنكار عليهم في أمور ، فدلّ ذلك على أن هذا المنهج هو من مناهج تصحيح الأخطاء ، التي ينبغي لمن أراد التصحيح أن يعتني به ، إذ ليس في كل أقوال وأفعال الناس خطأ عام ، فهناك من الناس من يقول كلامًا ، أو يفعل فعلًا ، وليس بالضرورة أن كل كلامه خطأ ، ولا كل فعاله خطأ ، وإنما الذي يحتاج إليه أن يُعَدَّل له خطؤه ويصحّح له ، ويبقي الصواب .

ولا شك أن مثل هذا التصرف يشعر المخطئ بإنصاف ، وعدل القائم بالإنكار والتصحيح ، ويجعل تنبيهه أقرب للقبول في النفس ، بخلاف بعض المنكرين الذين قد يغضب أحدهم من الخطأ ، غضبًا يجعله يتعدى في الإنكار يصل به إلى تخطئة ورفض سائر الكلام ، بما أشتمل عليه من حق ، وباطل ، مما يسبب عدم قبول كلامه ، وعدم انقياد المخطئ للتصحيح [3] .

أما الشاهد في موضوعنا ، وهو إنكار موضع الخطأ وقبول بقية الصواب في أحاديث العبادة فمن ذلك ما يلي:

(1) أخرجه أبو داوود كتاب الأدب ، باب في كراهية التمادح ، حديث رقم ( 4806 ) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود برقم ( 4806 ) ، 3 / 181 .

(2) القاموس المحيط مادة ( نقد ) ص 412 .

(3) انظر: الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس: المنجد ص 66 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت