أصيب وأخطئ فقال: أجل) [1] ، وكان تعليمه عليه الصلاة والسلام هذا الرجل بكل رفق وتأنٍّ وسعة صدر من غير انفعال ، ولا غضب « وكل هذا تربية منه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه رضي الله عنهم ، على التريث والتّؤدة عند تصحيح الخطأ ، و التّحقيق منه ، والتّأكد من انتفاء الموانع من غفلة ؛ أو نسيان ، ثم سعة الصدر ، والتحمل مع الشفقة ، والرحمة عند تعليم الجاهل » [2] .
وهذا يجعل الدعاة إلى الله - ومن أراد تصحيح الأخطاء - التَّأسي بهذا الخلق الكريم عليه الصلاة والسلام ، وانتهاج أساليبه في تصحيح الأخطاء .
المبحث الثالث: النهي عن الخطأ والتعليل لذلك
من أساليب تصحيح الأخطاء منهج النهي عن الخطأ ، والتعليل لذلك النهي، وهو أوقع في نفس المخطئ، و أكبر دافع له لتصحيح خطئه والانتهاء عنه ، ولقد استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأسلوب مع بعض أصحابه ، وجاء هذا النهي مقرونًا بالتعليل مما أعطى المخطئ عُمقًا أكثر لاستيعاب هذا التصحيح .
فالمخطئ عندما يسمع من المصحِّح النهي عن الخطأ ، ثم يُعقّب المصحِّح النهي بالتعليل له ، فإنه ولا شك أنه سيكون أكثر انقيادًا للمصّحح ، وأسرع في تصحيح الخطأ الذي وقع فيه ، وقد ورد في السنة المطهرة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - كثيرًا من هذا النوع ، مما يوحي إلى الدعاة ومصحِّحي الأخطاء السير على هذا المنهج ، والتنويع في أساليبهم بحسب الأشخاص والأحوال ليكون التّصحيح في وقته أكثر نفعًا .
وهناك الكثير من الأمثلة في النهي عن الخطأ والتعليل لذلك ، وخصوصًا ما يختص بالعبادة ومنها:
1-عن أم سلمة رضي الله عنها . قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة وقد شق بَصَرُهُ فأغمَضَه . ثم قال: ( إن الرّوح إذا قُبض تبعه البصر ) فضجَّ ناس من أهله . فقال: ( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير ، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون) [3] .
ففي هذا الحديث - وهو الشاهد - أنه لما ضجَّ ناس من أهله ، وكان هذا الفعل خطأ - ولعله من النّياحة المحرمة ، أو أنهم دعوا على أنفسهم - فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الخطأ ثم أعقبه بهذا التعليل ، وهو أن الملائكة تؤمّن على ما يقولونه ، ومما لاشك فيه أن هذا النهي المقرون بالتعليل أوقع أثرًا في نفوسهم وأسرع ، لاستجابتهم ، وتصحيحهم لهذا الخطأ .
وقد ورد عند مسلم من حديث جابر الطويل ، أنه دارت عُقْبةُ رجلٍ من الأنصار على ناضحٍ له ؛ فأناخه فركبه ، ثم بعثه فتلدّن عليه بعض التلدّن - أي تلكَّأ وتوقف - [4] فقال له: شاء لعَنَكَ الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (
(1) فتح الباري 2 / 325 .
(2) تربية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: خالد عبد الله القرشي ص 394 .
(3) أخرجه مسلم كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حُضر، حديث (920) .
(4) شرح صحيح مسلم للنووي: 6 / 427 .