للأحاديث لكثرة ملاقاة الناس فيها إن أريد بها أزقة المدن وإن أريد المطلق على سبيل الأسفار فواضح.
واعلم أن المراد ما يعتاده الناس من المفاكهات والإخبار عن أحوالهم لا ما فيه إفادة علم أو قضاء حاجة فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحدث أصحابه في أسفاره وهو راكب ويستحدثهم وقد خطب على ناقته لأجل إسماعهم وكذلك كان يخاطب بعضهم بعضًا وهو يشاهدهم (فرب مركوبة) صفة لدابة (خير من راكبها وأكثر ذكرًا لله منه) سيقت لتعليل النهي ورب للتقليل كما هو الأصل فيها أي قليل من الدواب خير من راكبها وإذا كانت خيرًا منه فلا يتخذها كرسيا لحديثه ولغوه فإنه قبيح عند العقلاء إهانة من هو خير من مهينة ولأنه خلاف ما خلقت له وإذا كان فيها من هو خير من راكبه اجتنبت الأحاديث عليها كلها احتياطًا، وإن جاز أن راكبها خير منها ويحتمل أن رب للتكثير أي كثير من المركوبات خير من راكبها ويناسب هذا قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] فإنه تعالى أخبر بسجود جميع الدواب له ولم يخبر إلا عن سجود كثير من الناس له، فدل على أن المنقاد من الناس بعضهم له ومن الدواب جميعهم والأخيرية من حيث أنها أكثر لله ذكرًا كما أفاده الحديث وفيه دلالة على أن الدواب تذكر الله كما يذكره العباد والناس فريقان في مثل هذا المعنى الذي يفيده الحديث والآيات مثل {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] وهو كثير سنة وكتابًا فالمتكلمون والمفسرون منهم على تأويل ذلك وحمله على خلاف ظاهره وأئمة الحديث وجماعة من المحققين على حمله على ظاهره [1/ 265] وعدم تأويله والإيمان به مع الإقرار بعدم معرفة كيفيته لأنه تعالى لم يجعل لنا على الإطلاع عليه سبيلًا وقد قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] وقال: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] وهذا هو الحق وقد أشبعنا الكلام عليه في غير هذا وأما أنها مكلفة وأن إليها