قيود الصغائر والشرك الخفى وما شابه ذلك مما يخفى على العامة ولا يخفى عليهم ، قال بشر بن الحارث للسرى السقطى: ( إن الله تعالى خلقك حرا فكن كما خلقك ، لا ترائى أهلك في الحضر ولا رفقتك في السفر ، اعمل لله ودع عنك الناس ) (1) .
ويبين في موضع آخر أن الإخلاص وتطهير السريرة بين العبد وربه يجعل الإنسان حرا من الأغيار وعبوديتها ، حرا بآداء العبودية لله من جانب آخر ، يقول بشر: ( من أراد أن يذوق طعم الحرية ويستريح من العبودية [ لغير الله ] فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى ) (2) .
* حرية الباطن وحرية الظاهر:
ولما كانت الحرية مرتبطة بالعبودية عند أوائل الصوفية ، فإن عبودية الباطن هى حرية الباطن وهى التخلص من كل القيود النفسية والنوازع الداخلية وهذا الجانب قد نال حظا وفيرا من الدراسة عندهم ، أما عبودية الظاهر فهى مرتبطة بمدى الحرية التى تتحقق في الباطن ، فهى مبنية عليها لقوله صلى الله عليه وسلم:
( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا ــــــــــــــــــــــــ
1-اللمع ص 450 .
2-الرسالة القشيرية حـ 2 ص 262 .
فسدت فسد الجسد كله إلا وهى القلب ) (1) .
وينبغى الإشارة إلى أن حرية الباطن والظاهر عند أوائل الصوفية ما هى إلا محاولة منهم لتحقيق العبودية في أعمال القلوب والجوارح على المنهج الإسلامى والمفهوم الشرعى ، ولا يقصدون التحلل من الشرع تحت شعار الشريعة لأهل الظاهر والحقيقة لأهل الباطن أو بأى وجه من الوجوه ، ولذا نبه أغلب الصوفية على ضرورة الفهم السليم لمعنى الظاهر والباطن .
يقول السراج الطوسى: ( أنكرت طائفة من أهل الظاهر وقالوا: لا نعرف إلا علم الشريعة الظاهرة التى جاء بها الكتاب والسنة وقالوا: لا معنى لقولكم علم الباطن وعلم التصوف ) (2) .