*** المبحث الرابع ***
يذكر المكى أن القرآن الكريم حدد مجال اختيار الإرادة الإنسانية وجعله بين طريقين معروضين أمام الإنسان ، أحدهما هو نجد الخير والثانى هو نجد الشر ، قال تعالى: { وهديناه النجدين } (1) .
فالنجدان طريقان معروضان خارج الإنسان ، وهما لازمان لصحة الاختيار وتحقيق معنى الحرية من الناحية العقلية ، أحدهما يعبر عنه القرآن بحرث الدنيا والآخر يعبر عنه بحرث الآخرة قال تعالى:
{ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب } (2) .
وإذا كان القرآن قد عبر بلفظ الشراء أو الاستبدال أوالاستحباب والإيثار كما في قوله تعالى:
{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فماربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } (3) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-البلد / 10 .
2-الشورى / 20 .
3-البقرة / 16 .
وقوله: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل } (1)
وقوله: { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} (2) .
فإن هذه الألفاظ تدور حول معنى واحد وهو الاستغناء عن حياة في سبيل أخرى (3) .
فالمؤمن يضحى بالدنيا في سبيل الحصول على الآخرة والكافر يضحى بالآخرة ويتناساها أو يغفلها استغناء عنها لحصوله على الدنيا وهذا هو عين الاختيار ومجاله في القرآن الكريم ولا يعنى هذا الاختيار بهذا المعنى ترك الدنيا وإهمالها والسلبية حيالها وحرصه على الآخرة والإيجابية نحوها فقط ، وإنما يعنى اختيار منهج في الحياة يؤدى إلى الجنة أو منهج يؤدى إلى فقدها ، أو أنه اختيار بين حريتين ، حرية في الدنيا يتحرر فيها من الشرع ، أو حرية للآخرة باختياره منهج الله .
ومن ثم فإن معنى إيثار العبد للدنيا على الآخرة هو أنه فضل أن يكون حرا في الدنيا متحللا من كل منهج يخالف مراده وهواه فقوله تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا والاخرة خير وأبقى } (4) .