الباب الثالث
وقد اشتمل على فصلي:
الفصل الأول: الاستطاعة البشرية والفاعلية الإلهية
الفصل الثانى:الحرية ومنهج العبودية
الفصل الأول
الاستطاعة البشرية والفاعلية الإلهية
وقد اشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: الاستطاعة من مقومات الحرية عند الصوفية
المبحث الثانى: الاستطاعة وعلاقتها بالعلل والأسباب
المبحث الثالث: العلاقة بين الفاعلية الإلهية والفاعلية الإنسانية
المبحث الرابع: الحكمة من خلق الأواسط والأسباب
*** المبحث الأول ***
الاستطاعة من مقومات الحرية
سبق أن علمنا أن أوائل الصوفية أثبتوا اختيار حرا للإنسان ، بإرادة ذاتية وأصلية فيه ، وأن الذى يختاره سواء كان طاعة أو معصية فإنه لا يخرج عن مشيئة الله الشاملة وإرادته الكونية المطلقة وإن كان ذلك مخالفا كمعصية لأمره الدينى التشريعى ، وهم يعتبرون إثبات الاختيار الحر مقوما أساسيا في إثبات حرية العبد ووقوعه تحت المساءلة وتوقيع الجزاء في الآخرة ، وهنا نجدهم يثبتون مقوما آخر من مقومات الحرية يتمثل في إثباتهم لاستطاعة الإنسان على تحقيق ما يختار وقدرته عليه فهم علموا وأيقنوا أن الله استخلفهم في الأرض وخولهم واسترعاهم فيها ليبتليهم ، ويقرر أبو سعيد الخراز في وضوح تام هذه الحقيقة الهامة فيقول: ( إعلم أن الأنبياء عليهم السلام والعلماء والصالحين من بعدهم رضى الله عنهم أمناء الله تعالى في أرضه على سره وعلى أمره ونهيه وعلمه وموضع وديعته ، والنصحاء له في خلقه وبريته وهم الذين عقلوا عن الله تعالى أمره ونهيه وفهموا لماذا خلقهم وما أراد منهم وإلى ما ندبهم ) (1) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-الطريق إلى الله لأبى سعيد الخراز ص 32 .
ثم بين أنهم أصغوا إلى الله بآذان فهومهم الواعية ، وقلوبهم الطاهرة ولم يتخلفوا عن ندبته ، فسمعوا الله عز وجل يقول:
{ آمنو بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } (1) .