الصفحة 126 من 295

نخلص من جملة ما سبق في هذا المبحث إلى القول بأن أوائل الصوفية أثبتوا وجود بواعث للإرادة يقلبها الحق سبحانه وتعالى كيف يشاء تثير الإرادة وتهيؤها للفعل دون إجبار أو إلزام بفعل دون آخر ، وهذه ممثلة في وجود نازعين متقابلين هما محل التقوى والفجور ، وهاتفين يهتفان له في كل وقت ، أحدهما هو العدو أو الشيطان بوعده الكاذب من ناحية ، والثانى هو الملك ووعد الله الحق من ناحية أخرى ، وكل ذلك ثابت بدليل النقل ، كما أكدوا رفع أى سلطان أو قهر على الإنسان لحظة الاختيار وإجابته للدواعى الداخلية إلا سلطان الإرادة الذى يتربع الإنسان على عرشه ، فهى كما تقدم الفيصل في تحريك البدن إلى ما يلحقه من ثواب أو عقاب .

وهم بذلك يضعون الشيطان في موضعه الصحيح ويفسرون كيف أنه لا سلطان له إلا على أوليائه من خلال متابعتهم لأوامره ؟ تحقيقا لقول الله تعالى في شأنه: { وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى إنى كفرت بما أشركتمونى من قبل إن الظلمين لهم عذاب أليم } (1) .

ــــــــــــــــــــــــ

1-إبراهيم / 22 .

ويفسرون كيف يعبد الهوى باتباع الإرادة لدوافعه ؟ تحقيقا لقول الله تعالى في شأنه:

{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } (1) .

وكيف يقلب الله القلوب ولا يتنافى ذلك مع عدله في تحقيق العقاب على المسئ ؟ .

ــــــــــــــــــــــــ

1-الجاثية / 23 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت