فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 783

أمور لا بد له من واحد منها: إما إضاعة نفسه وعياله، وإما الربا الصريح، وإما المخرج من هذا الضيق بالحيلة، وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور؟

هـ - روى البخاري أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» ، فَقَالَ: [لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ] ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» . وقال في الميزان مثل ذلك [1] فأرشده إلى الحيلة للتخلص من الربا بتوسط العقد الآخر.

و- الحيل معاريض في الفعل، مثل معاريض القول. وإذا كان في الأخيرة مندوحة عن الكذب، ففي معاريض الفعل مندوحة عن المحرمات. وَقَدْ لَقِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: «مِمَّنْ أَنْتُمْ؟» . فقال رَسُولُ اللَّهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ مَاءٍ» . فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: «أَحْيَاءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، فَلَعَلَّهُمْ مِنْهُمْ» ، وَانْصَرَفُوا (*) .

وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «احْمِلْنِي» ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَنَا إِلَّا وَلَدًا لِنَاقَةٍ» . فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلُ إِلَّا النُّوقَ؟» (*) .

وروي مثل ذلك عن كثير من الصحابة والتابعين، مثل إبراهيم النخعي الذي كان يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده - وكان متخفيًا من الحجاج: «إِنْ سُئِلْتُمْ عَنِّي فَاحْلِفُوا بِاللَّهِ لَا تَدْرُونَ أَيْنَ أَنَا، وَلَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ أَنَا وَاعْنُوا أَيْنَ أَنَا مِنَ البَيْتِ، وَفِي أَيِّ مَوَضِعٍ مِنْهُ» (**) .

وعن مجاهد، عن ابن عباس قال: «مَا يَسُرُّنِي بِمَعَارِيضِ الكَلَامِ حُمْرَ النَّعَمِ» .

(1) "البخاري بحاشية السندي": 2/ 15، 26.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي] :

(*) انظر الترمذي،"السنن"تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، أَبْوَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ، (57) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمِزَاحِ، حديث رقم 1991، 3/ 529. قَالَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ» . وانظر تخريجه فيه.

وانظر"ولاية الله والطريق إليها"للإمام الشوكاني (ت 1250 هـ) ، تحقيق إبراهيم إبراهيم هلال، ص 356، 357، دار الكتب الحديثة. مصر - القاهرة.

(**) انظر"شرح صحيح البخارى"لابن بطال (ت 449 هـ) ، ضبط نصه وعلق عليه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، 9/ 358، الطبعة الثانية: 1423 هـ - 2003 م، نشر مكتبة الرشد. الرياض - المملكة العربية السعودية.

وانظر"وفيات الأعيان"لابن خلكان (ت681هـ) تحقيق الدكتور إحسان عباس، 1/ 25، طبعة سنة 1994، دار صادر. بيروت - لبنان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت