قلت: ودلالة الحديث ظاهرة على ذم الابتداع والتحذير منه ، وأن صاحبه ليس على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم ولا على هديه ، وهذا أبلغ في التحذير من النهي الصريح ، فإن لفظ ( ليس مني ) أشد من لفظ ( لا تفعلوا كذا .. ) .
وإذا كان هذا حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن بالغ في العبادة المشروعة كالصيام والقيام فكيف بمن ابتدع عبادة لم يشرعها صلى الله عليه وسلم ؟
ثم إنه لا يؤمن على من ابتدع بدعة والتزمها واجتهد فيها أن يصل به الحال إلى اعتقاد يجره إلى الكفر ، وهو الاعتقاد بأرجحية عمله على عمل النبي صلى الله عليه وسلم ، كما نبه إلى ذلك الحافظ ابن حجر فيما نقلته عنه .
وقد لحظ الصحابة هذا المعنى في إنكارهم الشديد على المبتدعة ، فقال ابن مسعود رضي الله عنه للذين اخترعوا طريقة للذكر ( والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحوا باب ضلالة ... ) . وسيأتي ذكره بتمامه قريبًا .
فنبههم إلى أن بدعتهم تلك قد تفضي بهم إلى اعتقاد أنهم أهدى من النبي صلى الله عليه وسلم .
وكذا قال الإمام مالك رحمه الله لمن استفتاه في أن يحرم من عند المسجد النبوي بدلًا من الإحرام من الميقات ( لا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة ) فلما قال له الرجل ( وأي فتنة في هذا ؟ ) قال الإمام ( وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسوله صلى الله عليه وسلم ) . انظر الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة [ ص 26 ] .
قلت: فهذا الرجل لم يصل به الأمر إلى الاعتقاد المحذور ، وهو ترجيح فعله على فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن الإمام مالكًا - رحمه الله - خاف عليه من أن ينجر إلى ذلك الاعتقاد الباطل .
ــــــــــــــــــــــــــــ
……فصل
وأما الآثار عن الصحابة في التحذير من الابتداع فهي أكثر من أن تحصر، فإنهم - رضي الله عنهم - قد عاينوا ما أحدثه الناس في زمانهم ، فمن الأمثلة على ذلك: