قلت: فإذا كان الصحابة والسلف ، قد تركوا بعض السنن المؤكدة ، لئلا يلتبس على العامة أمرها فيلحقوها بالفرائض والواجبات ، فكيف بمن ابتدع بدعًا ، ثم التزم العمل بها على الدوام ، حتى وقر في قلوب كثير من العوام أنها من السنن ، بل من الواجبات ؟
ولهذا ترى كثيرًا من هؤلاء ينتصرون لبدعتهم ، وينافحون عنها ، ما لا يفعلون عشره مع السنن الثابتة والواجبات المفروضة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الفرق بين المصالح المرسلة
والبدع المحدثة
قال الإمام الشاطبي ( هذا الباب يُضْطر إلى الكلام فيه عند النظر فيما هو بدعة وما ليس ببدعة ، فإن كثيرًا من الناس عدوا أكثر المصالح المرسلة بدعًا ، ونسبوها إلى الصحابة والتابعين ، وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات . وقوم جعلوا البدع تنقسم بأقسام أحكام الشريعة ، فقالوا: إن منها ماهو واجب ومندوب ، وعدوا من الواجب: كتْبَ المصحف وغيره ، ومن المندوب: الاجتماع في قيام رمضان على قارئ واحد ... ) إلى أن قال ( فلما كان هذا الموضع مزلة قدم لأهل البدع ، أن يستدلوا على بدعتهم من جهته ، كان الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء ، حتى يتبين أن المصالح المرسلة ليست من البدع في ِورْدٍ ولا صَدر، بحول الله ، والله الموفق ) .
ثم ذكر الشاطبي ما خلاصته: أن المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشهد الشرع بقبوله ، فلا إشكال في صحته ولا خلاف في إعماله .
الثاني: ما شهد الشرع برده ، فلا سبيل إلى قبوله .
الثالث: مالم يشهد له الشرع باعتباره ولا بإلغائه .
ثم ذكر أن هذا المسكوت عنه إن كان مما يلائم تصرفات الشرع ، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين ، فهو الاستدلال المرسل ، المسمى: المصالح المرسلة .