المثال الأول: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على جمع المصحف ، وليس ثم نص على جمعه ، وقد وقع التردد أول الأمر من قبل بعض الصحابة ، حيث أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر بذلك ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تردد زيد بن ثابت في ذلك ، حتى شرح الله صدورهم لفعله ، لأنه ملائم لتصرفات الشرع ، موافق لمقاصده وأصوله ، وهو حفظ الشريعة ، والأمر بحفظها معلوم قطعًا بلا خلاف .
قال الشاطبي"وإذا استقام هذا الأصل ، فاحمل عليه كتْبَ العلم من السنن وغيرها إذا خيف عليها الاندراس ، زيادة على ماجاء في الأحاديث من الأمر بكتْب العلم".
المثال الثاني: اتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حد شارب الخمر ثمانين ، وإنما مستندهم فيه الرجوع إلى المصالح والتمسك بالاستدلال المرسل . إذ لم يكن فيه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حد مقدر ، وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزير .
ثم قال الشاطبي بعد أن سرد بقية الأمثلة:
"فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة ، وتَبيَّنَ لك اعتبار أمور:"
* أحدها: الملاءمة لمقاصد الشرع ، بحيث لاتنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من دلائله .
* الثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها ، فلا مدخل لها في التعبدات ، ولا ماجرى مجراها من الأمور الشرعية ..."."
إلى أن قال"ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني ، وإن ظهرت لبادي الرأي ، وقوفًا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ما هي عليه ..".
ثم ذكر الشاطبي أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ، ورفع حرج لازم في الدين .
فحفظ الأمر الضروري من باب"ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب"، فالمصالح المرسلة إذًا من الوسائل لا المقاصد .
وأما البدع فعلى النقيض من ذلك ، لأنها: