فقد مثّل العز للبدع"الواجبة"بالاشتغال بالنحو وتدوين أصول الفقه وعلم الجرح والتعديل ونحو ذلك .
و للبدع"المحرمة"بمذاهب الفرق: كالقدرية والجبرية ونحوها .
و للبدع"المندوبة"بإحداث الربط والمدارس وبناء القناطر ونحو ذلك .
و للبدع"المكروهة"بزخرفة المساجد وتزويق المصاحف .
و للبدع"المباحة"بالمصافحة عقب صلاة الصبح والعصر ، والتوسع في المأكل والمشرب والملبس والمسكن .
لكنه عقب ذلك بقوله"وقد اختلف في بعض ذلك ، فجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ، وجعله آخرون من السنن المفعولة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ..."انظر قواعد الأحكام [ 2 / 172- 174 ] .
وقد ساق الإمام الشاطبي في الاعتصام [ 1/ 188 - 191 ] كلام القرافي وابن عبدالسلام ، وأجاب على هذا التقسيم بجواب طويل مفيد في قرابة عشرين صفحة [ 1/ 191- 211 ] .
وخلاصة ما جاء فيه"أن هذا التقسيم للبدع مخترع لا دليل عليه ، وأنه في نفسه متدافع ، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي ، لا من نصوص الشرع ولا من قواعده ، إذ لو كان ثمة دليل عليها لما كانت بدعة ."
ومن العجب حكاية القرافي اتفاق الأصحاب على إنكار البدع ثم مخالفته لهذا الاتفاق المذكور بتقسيمه المخترع .
وغاية ما جاء فيه وفي كلام العز بن عبدالسلام من الواجب والمندوب إنما هو من قبيل المصالح المرسلة لا البدع المحدثة ، ومن قبيل مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
وبناء المدارس والقناطر ونحوها من باب الوسائل لا المقاصد ، وهي بحسب ما بنيت له ، بخلاف البدع التي تقع في العبادات فإنها مقصودة لذاتها متعبد بها .
وما ذكره العز بن عبدالسلام من المصافحة عقب صلاتي الصبح والعصر ، وأنها من البدع المباحة ، فجوابه: أننا نسلِّم أنها من البدع ، ونمنع أن تكون مباحة ، إذ لا دليل في الشرع يدل على تخصيص تلك الأوقات بها"."