الصفحة 57 من 74

قلت: وشكاية السلف من كثرة المخالفين وظهور بدعهم ، ومن قلة المتبعين للحق والسنة ، مشهورة ، والآثار فيها أكثر من أن تحصر ، هذا وهم في تلك القرون الفاضلة ، فكيف بزماننا ؟!

وأما الاحتجاج بقول العالم ، فإنه لو فرض كونه أعلم زمانه ، ووافقه على اجتهاده كثير من أمثاله ، فإن قولهم ليس بحجة في دين الله ، ولا يُعارَضُ به السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال الشاطبي"فالسنة حجة على جميع الأمة ، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة ، لأن السنة معصومة عن الخطأ ، وصاحبها معصوم . وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة ، إلا مع إجماعهم خاصة ."

وإذا اجتمعوا تضمَّن إجماعهم دليلًا شرعيًا". الاعتصام [ 1/217] ."

قلت: وقد فصل العلماء الأدلة التي يستدل بها ويحتج بها في دين الله ، فذكروا الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس .

واختلفوا في الاحتجاج بقول الصحابي إذا لم يخالف نصًا أو قول صحابي آخر ، و عمل أهل المدينة في زمن الخلفاء الراشدين . وهذه هي الأدلة التي يستدل بها العالم المجتهد ، فكيف يُجعل قولُه هو، أو عملُه ، دليلًا شرعيًا .

فإن قيل: كيف يعقل أن يقع المجتهد في بدعة ؟

فالجواب: أن البدعة ، كغيرها من المسائل ، قد تشتبه حتى على العالم المجتهد ، وكما أنا أجزنا عليه الخطأ في المسائل العملية المتعلقة بالفقه ، فكذلك يجوز عليه الخطأ في المسائل العملية المتعلقة بالبدع ، بل والمسائل الاعتقادية أيضًا .

وقد تقدم ذكر أثر معاذ بن جبل رضي الله عنه في التحذير من البدع ، ثم قال في آخره"وأحذركم زيغة الحكيم ، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم"رواه أبو داود [4611] .

وزيغة الحكيم وزلته هنا متعلقة بالبدعة ، لأن سياق الكلام عنها لا عن غيرها من المسائل .

وقد تقدم أيضًا ذكر التحذير من تقليد العلماء في زلاتهم ، وهو عام في كل الأخطاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت