الصفحة 58 من 74

ومما يؤيد ذلك ، أن بعض السلف ، من الصحابة وغيرهم ، أخطأوا في مسائل من هذا النوع ، وإليك أمثلة على ذلك:

1 -فقد كان معاوية رضي الله عنه يستلم الأركان كلها في الطواف ، فأنكر عليه ابن عباس وقال له"إنه لا يستلم هذان الركنان"أي: الشاميان ، فقال معاوية"ليس شيء من البيت مهجورا"فقال ابن عباس { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } فقال معاوية: صدقت . انظر فتح الباري [ 3/474 ] .

قال الحافظ"وأجاب الشافعي عن قول من قال: ليس شيء من البيت مهجورًا ، بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت ، وكيف يهجره وهو يطوف به ، ولكنا نتبع السنة فعلًا أو تركًا".

2 -وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا قلَّد هديه تجرد للإحرام وأمسك عما يمسك عنه المحرم ، فبلغ ذلك ابن الزبير رضي الله عنهما ، فقال"بدعة ورب الكعبة". انظر الموطأ [ 1/341 ] ومصنف ابن أبي شيبة [ 4/88] .

3 -وكان بعض السلف يجيز التعريف بالأمصار ، وهو"اجتماع الناس عشية يوم عرفة في غير عرفة ، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء"انظر الباعث [ ص 44 ] .

قال الحسن البصري"أول من جمع الناس في هذا المسجد يوم عرفة ابن عباس".

وقال أبو عوانة"رأيت الحسن البصري رحمه الله يوم عرفة بعد العصر جلس فدعا وذكرالله تعالى ، فاجتمع الناس".

وسئل الإمام أحمد عن التعريف فقال"لا بأس به ، إنما هو دعاء وذكر الله"فقيل له: تفعله أنت ؟ قال"أما أنا فلا". انظر الباعث [ 44 - 49 ] .

ومع ذلك فقد أنكر التعريف أكثر العلماء وعدوه من البدع ، انظر الآثار في ذلك عن نافع مولى ابن عمر وأبي وائل وسفيان ومالك بن أنس والليث بن سعد وإبراهيم النخعي وغيرهم ، في البدع لابن وضاح [ ص 102 ] والباعث لأبي شامة .

قلت: وقد أجاب أبو شامة عن فعل ابن عباس والحسن البصري بما يفيد أنهما لم يقصدا التعريف المحدث ، وإنما جلسا عن غير قصد فجلس معهما الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت