وقد ذكر الشاطبي بعد ذلك أن زلة العالم لا يصح اعتمادها خلافًا في المسائل الشرعية ، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن الأدلة المعتبرة في الشريعة ، أما الأقوال المجردة ، أو التي خفيت فيها الأدلة على العالم المجتهد ، فلا تعد خلافًا .
قلت: ومن هنا تعلم منشأ الغلط في تقليد كثير من العامة لبعض المخالفين من العلماء المجتهدين ، فيقلدونهم في زلاتهم ومذاهبهم الشاذة عن"السنة"، مع كونها لا تستند إلى دليل شرعي معتبر ، بل هو محض خطأ ليس غير .
وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر
4 -ومن استقرأ تراجم رواة الحديث وحملة الآثار وجد من الرواة الحفاظ من رمي بشيء من بدع الاعتقاد ، كبدعة الخوارج والتشيع والقدر والإرجاء وغيرها ، وهي - بلا شك - أعظم من بدع العبادات العملية .
فإذا جاز الخطأ والزلل على أمثال هؤلاء ، فمن دونهم من العلماء أحرى أن يقع في الخطأ ، وأجدر أن لا يعتبر بخلافه ولا يعتد بخطئه .
فصل
وهذا كله على فرض أن المخالف معدود في العلماء المجتهدين ، فأما إن كان غير ذلك فاطراح رأيه ومذهبه وعدم الاعتداد بمخالفته أولى وأحرى .
وكثير من المعظَّمين في الأزمنة المتأخرة ، وفي زماننا خاصة ، ممن ينتسب إلى العلم والمشيخة والرئاسة الدينية في الإفتاء والقضاء ، ممن يظن في نفسه ، أو يظن الناس فيه ، أنه أهل للاجتهاد والفتيا وهو ليس كذلك في حقيقة الأمر .
وفي هذا وأشباهه ورد الحديث الصحيح (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) )رواه البخاري [100] ومسلم [2673] .