ولقد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالَم من أول الدنيا إلى اليوم ، أن العقول غير مستقلة بمصالحها ، استجلابًا لها ، ولا بمفاسدها ، استدفاعًا لها ، وأنه لابد لها من الوحي المنزل من خالقها ، الذي هو وحده ، سبحانه ، العالم بما يصلحها ويقيم أمرها .
والابتداع يضاد هذا الأصل ، لأن فاعله إن سئل لم اخترت هذا دون هذا ، ولم رسمت من العبادة كذا دون كذا ، ولم عينت زمانًا دون زمان ، أو عددًا دون عدد ، أو هيئة وكيفية دون أخرى ؟ لما كان له جواب شافٍ إلا الإحالة إلى الهوى، أوالعقل ، أو الشهوة .
وما الذي أدراه بأن الذي اختاره أنفع مما تركه وأصلح مما فاته ؟ فلو عارضه آخر وادعى أن بدعته أصلح وأنفع ، فإلى من يُحتكم وإلى من يُخاصم ؟
ولو عارضهما ثالث ثم رابع ... وهلم جرًا ، فمن ذا الذي يُرجَّح قوله ويُقدَّم ؟ .
وزَعْم المبتدع أن صلاح أحوال الناس تقتضي إحداث البدع ، يعارضه صريح العقل فضلًا عن صحيح النقل .
فقول النبي صلى الله عليه وسلم (( كل بدعة ضلالة ) )، يناقض زعم ذلك المبتدع ، إذ كيف تكون الضلالة سبيلًا إلى الرشد والصلاح ؟ .
قال الإمام مالك رحمه الله"لا يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". انظر الشفا للقاضي عياض [ 2/88 ] .
ولا ريب أن أول هذه الأمة ، وسلفها وخيرها ، لم يَصْلُح بالبدع المحدثة ، بل بالتمسك بالكتاب والسنة .
ثم إن صرف الناس عن المعاصي والملاهي إلى البدع ، كمن يصرفهم عن حرِّ الرمضاء إلى لهيب النار .
إذ المعاصي مهما عظمت ، ما لم تصل إلى الكفر ، فإن مقترفها لا ينسبها إلى الشريعة ، وهو مقرٌّ بلسان حاله ومقاله بتقصيره ، وربما عجز عن فعلها أو تكاسل ، أو سمع واعظ الله في قلبه فترك أو قلَّل ، وإن لم يمنّ الله عليه بتوبة ، فإنه غالبًا ما يقلع عنها عند ضعفه و كبر سنه .