الصفحة 65 من 74

بخلاف مقترف البدع ، فإنه ينسبها إلى الشرع ، ثم يظن أنه متقرب إلى الله بها فلا يكاد يقلع عنها ، وكلما ازداد ضعفه وكبر سنه ، ازداد تمسكًا بها وتشبثًا بأذيالها .

ومن هنا قال سفيان الثوري:"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية . قيل له لماذا؟ فقال: لأن المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها". رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس [ ص 30 ] .

قال الشاطبي"مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل ، وأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه ، ويود لولم يفعل ، وأيضًا فلا يزال - إذا تذكر - منكسر القلب طامعًا في الإقلاع سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا ."

ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال ، فإنه يَعُد ما دخل فيه حسنًا ، بل يراه أولى بما حدّ له الشارع ، فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلًا ونحلته أولى بالاتباع"؟ الاعتصام [ 2/56] ."

ويجدر التنبيه هنا إلى أننا لا نقصد أن كل أفراد المحدثات أعظم في الإثم والعقوبة من كل أفراد المعاصي ، وإنما نقصد أن خطر المحدثات أعظم من خطر المعاصي من حيث العموم والإطلاق .

وإلا فقد يقع الرجل في البدعة ، وتكون بدعته من صغار البدع العملية ، كالتزام رفع اليدين في الدعاء في خطبة الجمعة على المنبر ، أو الذكر عقب الصلوات بهيئة الاجتماع ، أو الاحتفال بيوم المولد النبوي ، ونحو ذلك ، ويكون غرضه من ذلك محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لكنه أخطأ الطريق الأقوم ، وضل عن السبيل الأمثل ، في حين تجد رجلًا آخر مغرقًا في الشهوات ، منتهكًا للمحرمات ، مخلًا بكثير من الفرائض والواجبات ، فهذا أسوأ حالًا ، وأعظم إثمًا ومآلًا ، من الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت