فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 1128

ساكنًا بلادهم التي كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم. وجُرْهُم على ذلك بمكة وُلاة البيت لا ينازعهم إياها [بنو] (1) إسماعيل؛ لخوالتهم وقرابتهم، وإعظام الحرم أن يكون به بغي أو قتال.

قال: وحدثني بعض أهل العلم قال: كانت العماليق هم وُلاة الحكم بمكة، فضيّعوا حرمة الحرم، واستحلّوا فيه أمورًا عظامًا، ونالوا ما لم يكونوا ينالون. فقام رجل منهم يقال له: عموق، فقال: يا قوم، أبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم وسمعتم من هلك من صدر الأمم قبلكم؛ قوم هود، وصالح، وشعيب، فلا تفعلوا، وتواصلوا، فلا تستخفُّوا بحرم الله وموضع بيته، وإيّاكم والظلم والإلحاد فيه، فإنه ما سكنه أحد قطّ فظلم فيه وأَلْحَدَ إلا قطع دابرهم، واستأصل شأفتهم، وبدّل أرضها غيرهم، حتى لا يبقى لهم باقية. فلم يقبلوا ذلك منه، وتمادوا في هلكة أنفسهم.

قالوا: ثم إن جُرْهُمًا وقطورا خرجوا سيّارة من اليمن وأجدبت بلادهم عليهم، فساروا بذراريهم وأنفسهم وأموالهم، وقالوا: نطلب مكانًا فيه مرعى تَسمن فيه ماشيتنا، وإن أعجبنا أقمنا فيه، فإن كل بلاد ينزلها أحد ومعه ذريّته وماله فهي وطنه، وإلا رجعنا إلى بلدنا. فلما قدموا مكة وجدوا فيها ماءً طيبًا، وعِضَاهًا ملتفة من سلم وسمر، ونباتًا تسمن مواشيهم، وسعةً [من البلاد] (2) ، ودفئًا من البرد في الشتاء. فقالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد، فأقاموا مع العماليق. وكان لا يخرج من اليمن قومٌ إلا ولهم مَلِكٌ يقيم أمرهم، وكان ذلك سُنّة فيهم ولو كانوا نفرًا يسيرًا، فكان مضاض بن عمرو ملك جُرْهُم

(1) في الأصل: بني. والتصويب من الأزرقي (1/ 84) .

(2) زيادة من الأزرقي (1/ 85) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت