فهرس الكتاب
قال ابن إسحاق: ثم إن قصيًا هلك فقام على أمره بنوه من بعده، ثم إن بني عبد مناف هاشمًا وعبد شمس والمطلب ونوفلًا أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم، وتفرقت قريش، فكانت طائفة منهم يرون إبقاء بني عبد الدار على ما جعله قصي لأبيهم، وطائفة يرون أن بني عبد مناف أحق من بني عبد الدار، فأجمعوا على الحرب، ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف، والحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار وتحالفوا على ذلك، فولي الرفادة والسقاية: هاشم، وكان عبد شمس سفَّارًا مُقلًا ذا ولد، وكان هاشم موسرًا، وهو أول من سنَّ الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وهو أول من أطعم الثريد بمكة.
واسمه عمرو، وإنما سمي هاشمًا؛ لهشمه الخبز وثرده لقومه كما قال القائل:
عمرو الذي هَشَمَ الثريد لقومه ... ورجالُ مكة مُسْنِتُونَ (1) عِجاف
سُنَّت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف
ثم هلك هاشم بغزة من أرض الشام تاجرًا، فولي الرفادة والسقاية أخوه المطلب بن عبد مناف، وكان ذا شرف وكرم، وكان يُسمى الفيض؛ لسماحته وكرمه وفضله، وكان أصغر من عبد شمس، فتوفي المطلب بدومان من أرض اليمن، وتوفي عبد شمس بمكة، وتوفي نوفل بالعراق، ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقام لقومه ما كانت تقيمه آباؤه من قبله، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبَّه قومه وعظم خطره فيهم. انتهى.
(1) أي: أَصابَتْهم سَنَاٌ وقَحْطٌ وأَجْدَبُوا (انظر: لسان العرب، مادة: سنت) .