المسجد الحرام، فخر الدين أبو بكر بن علي ظهيرة الشافعي تغمده الله بغفرانه وأسكنه بحبوح جنته، في منسكه المسمى: بشفاء العليل في حج بيت الله الجليل، وهو أن مسجد مكة بناه إبراهيم عليه السلأم بنص القرآن: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ} ... الآية [البقرة:127] ، والمسجد الأقصى بناه سليمان كما جاء في حديث ابن [عمرو] (1) . أخرجه النسائي بإسناد صحيح (2) . وبين إبراهيم وسليمان زمن طويل يزيد على ألف سنة كما قاله أهل التواريخ، فكيف قال في الحديث: بينهما أربعون سنة؟
والجواب عن ذلك: بأنه يحتمل أن إبراهيم وسليمان إنما [جدَّدَا] (3) ما بناه غيرهما، كما سيأتي من أن أول من بنى البيت آدم، فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس بعده بأربعين عامًا.
وفي منائح الكرم (4) : فإن قيل: المسجد الأقصى بناه سليمان بن داود، وبين سليمان وإبراهيم زمان يزيد على ألف كما قال أهل التاريخ (5) ، فكيف تأويل هذا الحديث؟.
فالجواب: أن سليمان إنما جدّده، ولم يكن أسّسه، كما جدّد إبراهيم الكعبة، وأما أساسها فقديم من زمن آدم. فيجوز أن يكون أحد أبناء آدم بنى بيت المقدس بعد الكعبة بأربعين عامًا، ثم إن سليمان جدّده بعد خرابه، فاحفظه فإنه مهم. انتهى.
(1) في الأصل: عمر. وانظر: سنن النسائي (2/ 34) .
(2) أخرجه النسائي (2/ 34) .
(3) في الأصل: جددوا. والتصويب من الجامع اللطيف (ص:20) .
(4) منائح الكرم (1/ 314) .
(5) انظر: تاريخ القضاعي (ص: 60 - 61) .