فهرس الكتاب
وكان هناك أسطوانتان هدمهما السيل العظيم المهول الذي دخل المسجد الحرام في اليوم الثامن من جمادى الأولى من هذا العام -يعني: عام حريق المسجد الحرام-، وأخرب عمودين من أساطين الحرم الشريف عند باب العجلة بما عليهما من العقود والسقوف، فكان ذلك سببًا لوقوف الحريق وعدم تجاوزه عن ذلك المكان، وإلا لعمّ المسجد الحرام جميعه من الجوانب الأربعة فاقتصر الحريق إلى باب العجلة، وسلّم الله تعالى باقي المسجد الحرام.
وكم لله من لطف خفي ... يدق خفاه عن فهم الذكي
فصار ما احترق من المسجد الحرام أكوامًا حطامًا تمنع من رؤية الكعبة الشريفة ومن الصلاة في ذلك الجانب من المسجد.
قال الحافظ السخاوي في ذيله على دول الإسلام للذهبي (1) : وفي آخر شوال من سنة اثنتين وثمانمائة وقع بالحرم المكي حريق عظيم على نحو ثلث المسجد الحرام، ولولا العمودان اللذان وقعا من السيل قبل ذلك لاحترق المسجد الحرام جميعه، واحترق من العمد الرخام مائة وثلاثين عمودًا صارت كلها كِلْسًَا (2) ، ولم يتفق فيما مضى مثله.
وكان وقوع السيل في جمادى الأولى من هذه السنة بعد مطر عظيم الانسكاب كأفواه القِرَب، ثم هجم السيل فامتلأ المسجد حتى بلغ القناديل، ودخل الكعبة من شق الباب، فهدم من الرواق الذي يلي باب العجلة عدة
(1) الذيل التام على دول الإسلام (1/ 407) . وانظر:(إنباء الغمر 4/ 133، وشذرات الذهب
(2) الكِلْسُ: الجير، وهو المادة المتبقية بعد تسخين الحجر الجيري تسخينًا شديدًا وبعد خروج بعض مكوناته (المعجم الوسيط 2/ 795) .