فهرس الكتاب
أحكام القرآن للقشيري - رسائل جامعية (ص: 300)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الله تبارك وتعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (1)
من قرأ: (نُنْسِها) وأسقط الألف جعلها من النسيان، ومن قرأ: (نَنْسَأْها) وأثبت الألف فإنه جعلها من التأخير كأنه أراد: أو يؤخرها، فأثبت الألف؛ لأنها همزة اسكنت الحركة منها لموضع الجزم، وبقيت الهمزة ساكنة فكتبت ألفًا؛ لأنه يقال: نسأت الشيء أي: أخرته (2) ،
(1) [سورة البقرة: الآية 106]
(2) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (نَنْسَأْهَا) بفتح النون والسين مع الهمزة، وقرأ الباقون (نُنْسِهَا) بضم النون وكسر السين من غير همزة - [السبعة: 168، والنشر: 2/ 165]
فأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو (ننسأها) ففسرت على التأخير، أي: نؤخرها، وتأخير النسخ على وجهين:
1 -أن يؤخر التنزيل فلا ينزل البتة، ولا يعلم ولا يعمل به، ولا يتلى، فيكون معنى الآية: نؤخر إنزالها فلا نُنزلها -
2 -أن يُنزل القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يُؤخر فينسخ العمل به دون اللفظ، أو ينسخ العمل به واللفظ، أو ينسخ اللفظ ويبقى العمل -
وقد قرأ بهذه القراءة: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وأبي بن كعب، وعبيد بن عمير، والنخعي، وابن محيصن -
وأما قراءة الباقين (ننسها) فهي من النسيان، فإن لفظ (نسي) المنقول منه (أُنسي) على ضربين:
أحدهما: أن يكون بمعنى الترك، والآخر: النسيان الذي هو مقابل الذكر -
والصحيح أنه من النسيان الذي هو ضد الذكر -
قال أبو علي الفارسي في معرض رده على الفراء: فأما قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} فمنقول من نسيتُ الشيء: إذا لم تذكره، قال الفراء: والنسيان هنا على وجهين: أحدهما: على الترك، نتركها ولا ننسخها - والوجه الآخر: من النسيان كما قال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24]
قال أبو علي: قول الفراء نتركها ولا ننسخها، لايستقيم هنا، وإنما هو من النسيان الذي ينافي الذكر، ألا ترى أنه قد قال: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وليس كل ما أُخرتْ فلم تنسخ ولم يبدل حكمها يؤتى بخير من المنسوخة بآية أو
المنساة، وليس المعنى: ما ننسخ من آية أو نقرها فلا ننسخها نأت بخير منها، إنما المعنى: أنا إذا رفعناها من جهة النسخ بآية، أو الإنساء، أتينا بخير من التي ترفع وتبدل على أحد هذين الوجهين -
وقال مكي بن أبي طالب: والأقوى البيّن أن يكون من النسيان الذي هوضد الذكر، فيكون المعنى: إذا رفعنا آية بنسخ، أو بنسيان نقدره عليك يا محمد، أتينا بخير منها في الصلاح لكم، أو بمثلها في التعبد، ويدل على أنه من النسيان قوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 6، 7] فقد أعلمه الله أنه لا ينسى شيئًا مما نزل عليه، إلا ما شاء الله أن ينساه - =
ثم قال: وأيضًا فإن (تنسى) الذي بمعنى الترك لم يستعمل (أفعل) إنما استعمل فيه (فعل) فكان يجب أن تكون القراءة بفتح النون الأولى والسين، ولم يأت ذلك - والاختيار (ننسها) من النسيان؛ لصحة المعنى؛ ولأن جماعة القراء عليه، وبه قرأ ابن المسيب، وأبو عبد الرحمن، وقتادة، والأعرج، وأبو جعفر يزيد، وشيبة، والضحاك، وابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعمش -
[انظر إعراب القرآن للنحاس: 1/ 73، الحجة للقراء السبعة: 1/ 360 - 364، والكشف عن وجوه القراءات: 1/ 258 - 260] -
وممن اختار قراءة (ننسها) أبوعبيد، وابن جرير، ومكي بن أبي طالب -
[الناسخ والمنسوخ: 11، وتفسير ابن جرير: 1/ 478، والكشف: 1/ 259] -