وقد ذكر ابن حجر أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عذب، أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في"كتاب الاعتقاد"أنه المذهب الصحيح. [1]
ويدل لصحة هذا القول ما ورد في محكم القرآن في قصة العبد الصالح الذي رحل نبي الله موسى إلى لقائه في مجمع البحرين، فإنه قال مبينًا السر في قتله الغلام: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغينًا وكفرا) [الكهف: 80] ، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: في الغلام الذي قتله الخضر:"طبع يوم طبع كافرًا، ولو ترك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا"قال ابن تيمية معقبًا على الحديث:"يعني طبعه الله في أم الكتاب، أي أثبته وكتبه كافرًا، أي أنه إن عاش كفر بالفعل".
وقد ضعف القرطبي هذا المذهب محتجًا بأن الآخرة دار جزاء لا ابتلاء، ففي"التذكرة"قال المؤلف (يعني نفسه) :"ويضعفه (القول بامتحانهم في عرصات القيامة) من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء: ثواب، وقال الحليمي: وهذا الحديث ليس بثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان، فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة". [2]
وهذا الذي اعترض به من أن التكليف ينقطع بالموت غير صحيح، وقد رد
(1) فتح الباري: (3/246) .
(2) التذكرة: ص 514.