فهرس الكتاب
وقوله تعالى: {إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة/12] ،وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون/8] ، وقوله تعالى: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف/91] ، وقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء/17] .
هذا هو المبدأ العام في رتبة الجمل المنسوخة إلا أنَّه يستساغ في حالات أخرى أن يُفصل بينهما بفاصل قد يكون قصيرًا؛ كالفصل بضمير الفصل كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة/11] ، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان /26] .
وقد يكون الفاصل طويلا كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة/62] في هذه الآية بعدت المسافة بين إنَّ وخبرها لتعدد المعطوفات على اسم إنَّ، ثم جاء خبر إنَّ في صورة جملة شرطية، فلم يكن لذلك تأثير على وضوح المعنى كذلك؛ لأنَّ ما عُطف على الشيء فله حكمه، ثم يأتي جواب الشرط آخر الأمر مقترنا بالفاء؛ لأنَّه جملة اسمية ويظل المعنى واضحا؛ لوفرة القرائن [1] .
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف /42] فقوله تعالى: {لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} جملة معترضة وقعت بين المبتدأ والخبر، للترغيب في العمل الصالح الذي هو سبب لدخول الجنة [2] .
-التقارب بين الفعل والفاعل
تُعد العلاقة بين الفعل والفاعل من أقوى العلاقات في طائفة المتلازمات من حيث التقارب والاتصال، بل يذهب أكثر النحويين إلى أنَّ العلاقة بينهما علاقة الجزء بالكل، فلا يجوز الفصل بينهما بأجنبي.
قال ابن جني:"صَحَّ ووضَحَ أنَّ الفعل والفاعل قد تنزلا منزلة الجزء الواحد، فالعمل إذًا إنَّما هو للفعل وحده، واتصل به الفاعل فصار جزءا منه، كما صارت النون في نحو:"لتضربنَّ زيدًا"كالجزء منه حتى خلط بها وبني معها" [3] .
وقال ابن السراج:"ولا يفرق بين الفعل العامل والمعمول فيه بشيء لم يعمل فيه الفعل" [4] .
والنحويون يعدون الفصل بين الفعل والفاعل شيئا قبيحا؛ لأنَّه يهدم الاتصال ويولِّد الإبهام في الكلام. قال ابن جني:"أما الفروق والفصول فمعلومة المواقع أيضا، فمن قبيحها الفرق بين المضاف والمضاف إليه، والفصل بين الفعل والفاعل بالأجنبي، وهو دون الأول ألا ترى إلى جواز الفصل بينهما بالظرف، نحو قولك: كان فيك زيد راغبا.، ويلحق بالفعل والفاعل في ذلك المبتدأ والخبر في قبح الفصل بينهما. وعلى الجملة فكلما ازداد الجزءان اتصالا قَوِىَ قُبْحُ الفصل بينهما" [5] .
ولقوة هذا الاتصال والتقارب الواقع بين الفعل والفاعل منعوا تقدم الفاعل على الفعل، إذ إنَّ الرتبة بينهما محفوظة؛ ولأنَّ الفاعل تنزل منزلة الجزء من الفعل [6] .
إلا أنَّهم أجازوا الفصل بين الفعل وفاعله في حالات نادرة ولا سيما إذا كان الفصل غير أجنبي كالجار والمجرور، وأُمِنَ اللبس، نحو قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة/1] فصل الجار والمجرور بين الفعل والفاعل لإفادة تقييد التسبيح بالجار والمجرور وتخصيصه به، ثم بالفاعل بين المجرور
(1) ينظر: إعراب القرآن للنحاس1/ 58، وإعراب القرآن وبيانه 1/ 115، والبيان في روائع القرآن 2/ 42.
(2) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 4/ 338، والتبيان1/ 424.
(3) الخصائص: 1/ 104، وينظر: اللباب1/ 150.
(4) الأصول في النحو:2/ 223.
(5) الخصائص:2/ 390.
(6) ينظر: الخصائص 1/ 104، واللمع في العربية 79، وأسرار العربية 1/ 89، واللباب 1/ 149، وهمع الهوامع3/ 12.