فهرس الكتاب
والحق أنَّ المجاورة ليست ظاهرة إعرابية فحسب، بل هي ظاهرة صرفية وصوتية ودلالية، إذ إنَّ تبعية المجاورة لا تقتصر على أواخر الكلمات في أبواب التوابع، بل تتجاوزها إلى أماكن أخرى في الكلمة الواحدة، ومن أمثلة ذلك (رِجْس، ونِجْس) بتسكين الجيم من (نَجَس) ، وهي في الأصل مفتوحة وقد سكنت لمجاورتها كلمة (رِجْس) ساكنة الجيم.
وفي الحديث: (( اِرْجِعْنَ مَازُوْرَاتٍ غَيْرَ مَاجَوْرَاتٍ ) ) [1] بهمز"مَازُوْرَاتٍ"وهي في الأصل"مَوْزُوْرَات"؛ وذلك لمجاورتها كلمة"مَاجَوْرَاتٍ"، وللمجاورة أيضاَ جمعوا (غداة) على غدايا لمجاورتها عشايا في قولهم:"إني لآتيه بالغدايا والعشايا" [2] .
-شيوع ظاهرة المجاورة:
تبين لي أنَّ باب الحمل على الجوار بُنِيَ على القول المنقول عن العرب"هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"فقد كانت المسألة مقصورة على خفضِ الاسم بتأثير اسم سابقٍ له؛ جاء في (الدُّرِ المَصُون) :"الجوَارُ إنَّمَا يكون حيث يستحقُّ الاسم غير الجر، فيجر لمجاورة ما قبله" [3] . ثُمَّ توسعوا فيها، فمنهم من أفرد لها بابًا مستقلا، وقاسوا عليها مسائل كثيرة حتى صارت مجالا للتجوز في الاستعمال.
ويكفي لتأكيد شيوع هذه الظاهرة هذا النص لأبي البقاء العكبري:"والجِوَارُ مشهور عندهم في الإعراب، وقلب الحُرُوفِ بعضها، والتأنيث .. ومما راعت العرب فيه الجوار قولهم: قامت هند، فلم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما، فإن فصلوا بينهما أجازوا حذفها، ولا فرق بينهما إلا المجاورة وعدم المجاورة، ومن ذلك قولهم:"قام زيد وعمرًا كلمته"استحسنوا النصب بفعل محذوف لمجاورة الجملة اسما قد عمل فيه الفعل، ومن ذلك قلبهم الواو المجاورة للطرف همزة في قولهم: أوائل، كما لو وقعت طرفا، وكذلك إذا بعدت عن الطرف لا تقلب، نحو طواويس، وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد، وقد جعل النحويون له بابا، ورتبوا عليه مسائل، ثم أصَّلوه بقولهم: هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" [4] .
الجر بالجوار
(1) سبق تخريجه ص 26.
(2) ينظر: التبيان1/ 318،ومغني اللبيب 2/ 790، وشرح شذور الذهب 331.
(3) الدر المصون 6/ 83.
(4) التبيان1/ 318 - 319.