الصفحة 133 من 336

الحمل على الجوار عند المحدثين

انقسم النحويون المعاصرون في هذه المسألة على فريقين تبعا للأقدمين، فقد ردَّ الجر بالجوار كلٌّ من عباس حسن، وسعيد الأفغاني.

فأما الدكتور عباس حسن فكان أشد المحدثين رفضًا للجر بالجوار، معللًا ذلك بأنَّ الداعي لاتخاذه وروده في أمثلة قليلة جدًا، بعضها مشكوك فيها، وبعضها في غاية الشذوذ، وعليه لا يصح القياس عليه [1] .

وأما الأستاذ سعيد الأفغاني فقد ردَّ الاحتجاج بقول العرب:"هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"فقال:"جملة أولع بها قدماء النحاة ومن بعدهم، ولا حجة فيها من وجهين: الأول: أنَّ قائلها -إن وجد- مجهول، والثاني: إنَّ الوقوف على الكلمة الأخيرة بالسكون؛ إذ العربي لا يقف على متحرك، فمن أين علموا أن قائلها جر كلمة خرب؟ هذا والجر بالجوار ضعيف جدًا، لم يرد بطريق موثوق إلا في الضرورة الشعرية بندرة، والضرورة لا يحتج بها" [2] .

وثمت قسم آخر من العلماء المحدثين ذهبوا إلى جواز الجر بالجوار، منهم (الشنقيطي) الذي أطال الكلام في هذه المسألة، ومما قاله فيها:"وما ذكره بعضهم من أنَّ الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنَّه غير مسموع في العطف، وأنَّه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأنَّ أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه، وممن صرح به الأخفش [3] ، وأبو البقاء [4] ، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج [5] ، وإنكاره له - مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم - يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعًا كافيًا. والتحقيق: أنَّ الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنَّه جاء في القرآن؛ لأنَّه بلسان عربي مبين" [6] .

وممن أجاز المسالة ودعا إلى القياس عليها (عبد الفتاح الجمّوز) إذ قال - بعد أن بحث هذه المسألة بحثا مستفيضًا-:"وبعد فلعلك - أخي القارئ - تضم صوتك إلى صوتي في إجازة الحمل على الجوار والقياس عليه من غير التفات إلى تلك العراقيل التي يحاول بعض النحاة القدامى والمحدثين بسببها إغلاق باب هذه المسألة، ومنع حمل كتاب الله، وقراءاته، وكلام العرب نظمه ونثره عليها، ولعل ما يرد مزاعم هؤلاء أنَّ في التنزيل والكلام العربي شواهد يمكن إدراجها في باب الجر بالجوار " [7] .

ومنهم الدكتور بدر البدر الذي ذهب إلى جواز الجر بالجوار في النعت والعطف لمجيء السماع الكثير به، ويرد على من أنكر الاحتجاج بقول العرب"هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"بأمور [8] :

الأول: أنَّ جهالة القائل لا تضر، فكم من بيت أو قول من أقوال العرب مجهول القائل، ومع ذلك فقد قبله النحويون.

(1) ينظر: النحو الوافي 2/ 432.

(2) ينظر: ذيل تعليقه على كتاب حجة القراءات 223.

(3) ينظر: معاني القرآن للأخفش 2/ 474 و466.

(4) ينظر: التبيان1/ 318 - 319.

(5) ينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 153.

(6) أضواء البيان 1/ 259.

(7) الحمل على الجوار في القرآن الكريم 58.

(8) اختيارات أبي حيان النحوية في البحر المحيط:544 - 545.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت