الصفحة 186 من 336

وقال ابن يعيش:"حقيقة الإشارة الإيماء إلى الشيء، فإذا أرادوا الإشارة إلى متنحٍ متباعدٍ زادوا كاف الخطاب، وجعلوه علامة لتباعد المشار إليه، فقالوا (ذاك) ،فإن زاد بُعْدُ المشارِ إليه أتوا باللام مع الكاف، فقالوا (ذلك) ، واستفيد باجتماعهما زيادةً في التباعد؛ لأنَّ قوة اللفظ مشعرة بقوة المعنى" [1] .

وهذا النص وما ذكر قبله يمكن أنْ يكون دليلا قويا على مذهب جمهور النحويين؛ من أنَّ للإشارة ثلاث مراتب.

* القريب أعرف مراتب الإشارات:

وهنا صورة أخرى تضاف إلى سابقتها تجعل باب الإشارة ميدانًا رحبًا لظاهرة القرب، فحين صرَّح النحويون بأنَّ للإشارة ثلاث مراتب أكدُّوا في الوقت ذاته أنَّها للقرب في أصل الوضع - كما سبق بيان ذلك - ولم يكتفوا بذلك؛ بل ذهب بعضهم، كابن السراج [2] - وذكر ابن الأنباري في الإنصاف أنَّه مذهب الكوفيين [3] - إلى أنَّ الأسماء المبهمة ومنها الإشارة أعرف المعارف، وهذا القول خلاف الراجح، إلا أنهم متفقون على أنَّ أعرف الإشارات ما كان للقريب، ثم ما كان للمتوسط، ثم ما كان للبعيد [4] .

فالحضور والقرب معياران أساسيان للتعريف. قال ابن يعيش:"فتعريف الإشارة أن تخصص للمخاطب شخصًا يعرفه بحاسة البصر، وسائر المعارف هو أن تختص شخصا يعرفه المخاطب بقلبه؛ فلذلك قال النحويون: إنَّ أسماء الإشارة تتعرف بشيئين: بالعين، وبالقلب" [5] .

-دلالة (هاء التنبيه على القرب:

نص النحويون على أنَّ (ها التنبيه) كثيرًا ما تلحق أسماء الإشارة التي يشار بها للقرب [6] ، نحو قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا} [البقرة/126] ،وقوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه/63] ، وقوله تعالى: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود /78] .

(1) شرح المفصل (3/ 135) .

(2) ينظر: الأصول في النحو (2/ 341) ، والإنصاف (2/ 708) .

(3) ينظر: الإنصاف (2/ 707) .

(4) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور (2/ 138) ، وهمع الهوامع (1/ 192) ، وحاشية الصبان (1/ 170) .

(5) شرح المفصل (3/ 126) .

(6) ينظر: شرح ابن عقيل (1/ 107) ، وشرح الكافية للرضي (3/ 79) ، وشرح الأشموني (1/ 122) ، وهمع الهوامع (1/ 263) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت