الصفحة 194 من 336

بين (ها) وبين (ذا) وجعلوا المكنيَّ بينهما، وذلك من جهة التقريب لا في غيرها، ... فإذا كان الكلام على غير تقريب، أو مع اسم ظاهر جعلوا (ها) موصولة بـ (ذا) فيقولون: هذا هو، وهذان هما إذا كان على خبر يكتفي كلُّ واحد بصاحبه بلا فعل، والتقريب لا بدَّ فيه من فعل لنقصانه، وأحبُّوا أن يفرِّقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح" [1] ."

ويتضح من كلامهم - أيضًا- أنَّ العمل في التقريب خاص بـ (هذا، وهذه، وهنَّ، وهؤلاء) المختصة بالمشار إليه القريب فلا يشمل المشار إليه البعيد كـ (ذلك) و (تلك) . ومما يؤكد ذلك نص للفراء في تفسيره لقوله تعالى: {ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيبَ فِيْهِ هُدَىً لِّلْمُتَّقِيْنَ} [البقرة/1 - 2] ،إذ قال:"يصلح فيه (ذلك) من جهتين، وتصلح فيه (هذا) من جهة، فأما أحد الوجهين من (ذلك) فعلى معنى: هذه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، والآخر أن يكون (ذلك) على معنى يصلح فيه هذا؛ لأنَّ قوله (هذا) ، و (ذلك) يصلحان في كل مكان إذا ذكر ثََُّم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه، ألا ترى أنك تقول قد قدم فلان فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه (هذا) ؛ لأنَّه قد قَرُبَ من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه (ذلك) ؛ لانقضائه، والمنقضي كالغائب، ولو كان شيئًا قائمًا يُرَى لم يجز مكان (ذلك) (هذا) ،ولا مكان (هذا) (ذلك) " [2] .

فقوله:"ولو كان شيئًا قائمًا يُرَى لم يجز مكان (ذلك) (هذا) ،ولا مكان (هذا) (ذلك) "يُفهم منه أنَّه لا يصح فيها النصب على التقريب لما بين (ذلك) المشتملة على اللام التي يشار بها للبعيد، والنصب على التقريب من التنافي في المعنى، وإن كان قوله في عبارته السالفة:"لأنَّ هذا و ذلك يصلحان في كل كلام ذكرته ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه ... لأنه قد قَرُبَ من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه"توحي بأنَّه يرى أنَّ (هذا) و (ذلك) يتقارضان، فتحلُّ إحداهما محلّ الأخرى دون تفريق بين ما جعل للبعيد وما جعل للقريب.

(1) معاني القرآن للفراء (1/ 232) .

(2) معاني القرآن للفراء (1/ 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت