فهرس الكتاب
وقال تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ} [القمر/26] المراد بالغد وقت نزول العذاب الدنيوي بهم، وقيل: يوم القيامة فهو لمطلق الزمان المستقبل وعبر به لتقريبه، أي: سَيَعْلَمُونَ عن قريب [1] .
تقارب الأزمنة ينزلها منزلة المتحدة
هذه قاعدة أول من أشار إليها ابن جني في كتابه"الخصائص" [2] ، ثم تبعه"ابن هشام في كتابه"المغني" [3] . وقد ذكر ابن جني أنَّ هذه المسألة اطردت في كلام العرب وكثرت على ألسنتهم؛ وفي استعمالهم حتى اتسعوا فيها إلى ما تناءت حالاه، وتفاوت زماناه [4] ."
وملخص هذه المسألة أنَّ من شرط الفعل إذا نصب ظرفا أن يكون واقعًا فيه، أو في بعضه كقولك: صمت يوما، وسرت فرسخا، وزرتك يوم الجمعة، وجلست عندك، فكل واحد من هذه الأفعال واقع في الظرف الذي نصبه لا محالة، وأحيانًا ينصب الفعل الظرف ولا يكون واقعًا فيه، وإنَّما يقع فيما يلي الظرف، ولكن بسبب المجاورة الزمانية صار كأنَّهما وقعا في وقت واحد [5] .
قال ابن جني:"ومن ذلك قولهم: أحسنت إليه إذ أطاعني، وأنت لم تحسن إليه في أول وقت الطاعة، وإنما أحسنت إليه في ثاني ذلك، ألا ترى أنَّ الإحسان مُسَبَّبٌ عن الطاعة، وهي كالعلة له ولا بد من تقدم وقت السبب على وقت المسبب، كما لا بد من ذلك مع العلة، لكنه لما تقارب الزمانان، وتجاورت الحالان في الطاعة والإحسان، أو الطاعة واستحقاق الإحسان، صارا كأنَّهما إنَّما وقعا في زمان واحد" [6] .
ومما حُمِلَ على ذلك قوله تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف/39] فـ (إذ) بدل من (اليوم) ، لا ناصب لها، وجاز إبدال (إذ) التي للمضي من (اليوم) ، وهو للحاضر في الآخرة؛ لأنَّه لما كان عدم الانتفاع بالاشتراك في العذاب مسببًا عن الظلم، وكانت الآخرة تلي الدنيا بلا وقفة ولا فصل، صار الوقتان على تباينهما وتنائيهما كالوقتين المقترنين الدانيين المتلاصقين [7] .
(1) ينظر: التفسير الكبير (15/ 52) ، وروح المعاني (15/ 135) .
(2) ينظر: الخصائص (3/ 222 - 228) .
(3) ينظر: مغني اللبيب (2/ 572) .
(4) ينظر: الخصائص (3/ 223) .
(5) ينظر: المصدر نفسه (3/ 222) .
(6) ينظر: المصدر نفسه.
(7) ينظر: الخصائص (3/ 224) ، والتبيان في إعراب القرآن (2/ 214) ، ومغني اللبيب (2/ 572) .