فهرس الكتاب
ومما يُستدل به في هذا المقام قوله تعالى: {وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} [الجمعة/7] ، وقوله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة/95] .
فجاء بالأولى بحرف (لا) في الموضع الذي اقترن فيه حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم, فانسحب على جميع الأزمنة, وهو قوله عز وجل: {إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} [الجمعة/6] ، وكأنه يقول: متى ما زعموا ذلك لوقت من الأوقات، أو زمن من الأزمان وقيل لهم:"تمنوا الموت",فلا يتمنونه, وحرف الشرط دلَّ على هذا المعنى ,وحرف (لا) في الجواب بإزاء صيغة العموم ,لاتساع معنى النفي فيها.
وفي الآية الثانية جاء بـ (لن) فقصَّر من سعة النفي وقرَّب؛ لأنَّ قبله في النظم: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ} [البقرة/94] ,وليست"إنْ"ههنا مع"كان"من صيغ العموم؛ لأنَّ"كان"ليست بدالة على الحدث، وإنَّما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي في الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث، فكأنَّه يقول عز وجل: إن كانت قد وجبت لكم الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله -تعالى- فتمنوا الموت الآن, ثم قال في الجواب: (ولن يتمنوه) , فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا [1] .
4 - (ما) :
يستعمل هذا الحرف لنفي الحال كثيرًا، وقد تكون لغير الحال أيضًا، فقد تدل على الاستمرار، نحو قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران/7] ،وقوله: {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران/108] ، وهي تنفي الفعل الماضي، نحو:"ما ذهبت إليه"،وقد ذُكر أنَّها عند ذاك تكون لنفي الماضي القريب من الحال [2] .
قال السامرائي:"والحقيقة أنَّ الكثير فيها أن تكون كذلك - أي لنفي الماضي القريب-، وقد تأتي لنفي الماضي البعيد، نحو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء/16] ، وقوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران/191] " [3] .
ويقول عباس حسن:"وإذا وجدت قبله - أي الماضي -"ما"النافية كان معناه منفيًا، وكان زمنه قريبًا من الحال؛ كأنْ يقول قائل: قد سافر علىّ، فتجيب: ما سافر علىّ؛ فكلمة:"قد"أفادته في الجملة"
(1) ينظر: نتائج الفكر (131 - 132) ، والبرهان في علوم القرآن (4/ 413) ، والإتقان في علوم القرآن (1/ 507) .
(2) ينظر: المفصل (306) .
(3) معاني النحو (4/ 192) .