الصفحة 246 من 336

وثمة قسم آخر من العلماء المحدثين ذهبوا إلى جواز الجر بالجوار، منهم (الشنقيطي) الذي أطال الكلام في هذه المسألة، ومما قاله فيها:"وما ذكره بعضهم من أنَّ الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنَّه غير مسموع في العطف، وأنَّه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأنَّ أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه، وممن صرح به الأخفش [1] ، وأبو البقاء [2] ، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج [3] ، وإنكاره له - مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم - يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعًا كافيًا. والتحقيق: أنَّ الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنَّه جاء في القرآن؛ لأنَّه بلسان عربي مبين" [4] .

وممن أجاز المسالة ودعا إلى القياس عليها (عبد الفتاح الجمّوز) إذ قال - بعد أن بحث هذه المسألة بحثا مستفيضًا-:"وبعد فلعلك - أخي القارئ - تضم صوتك إلى صوتي في إجازة الحمل على الجوار والقياس عليه من غير التفات إلى تلك العراقيل التي يحاول بعض النحاة القدامى والمحدثين بسببها إغلاق باب هذه المسألة، ومنع حمل كتاب الله، وقراءاته، وكلام العرب نظمه ونثره عليها، ولعل ما يرد مزاعم هؤلاء أنَّ في التنزيل والكلام العربي شواهد يمكن إدراجها في باب الجر بالجوار " [5] .

ومنهم الدكتور بدر البدر الذي ذهب إلى جواز الجر بالجوار في النعت والعطف لمجيء السماع الكثير به، ويرد على من أنكر الاحتجاج بقول العرب"هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"بأمور [6] :

أحدها: أنَّ جهالة القائل لا تضر، فكم من بيت أو قول من أقوال العرب مجهول القائل، ومع ذلك فقد قبله النحويون.

الثاني: قوله إنَّ العرب تسكن آخر حرف في الكلمة صحيح، لكنَّ الرواة قد رووا هذا القول عنهم محركا بالكسر، يقول سيبويه [7] : وممّا جرى نعتًا على غير وجه الكلام"هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"فالوجهُ الرفعُ، وهو كلامُ أكثرِ العربِ وأفصحهِم، وهو القياسُ؛ لأنّ الخَرِبَ نعتُ الجُحْرِ والجحرُ رفعٌ، ولكنّ بعض العرب يجُرُّه"."

الثالث: قوله: إنَّه لم يرد عن العرب بطريق موثوق إلا في الضرورات الشعرية، هذا غير صحيح بل ثبت عن العرب أشعار كثيرة في الكتاب ومعاني القرآن للفراء وغيرهما من كتب العربية التي توثق أصحابها مما يكتبون حتى توافر لهم من ذلك شيء كثير، فوجب قبوله والمصير إليه"."

(1) ينظر: معاني القرآن للأخفش (2/ 474 و466) .

(2) ينظر: التبيان في إعراب القرآن (1/ 318 - 319) .

(3) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (2/ 153) .

(4) أضواء البيان (1/ 259) .

(5) الحمل على الجوار في القرآن الكريم (58) .

(6) اختيارات أبي حيان النحوية في البحر المحيط (544 - 545) .

(7) الكتاب (1/ 436) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت