فهرس الكتاب
وقد اصطلح النحويون فيما بعد على تسمية هذه الظاهرة بـ"الإعمال" [1] ، أو"إعمال الفعلين" [2] ، كما سميت بـ"التنازع في العمل" [3] ، وهذه التسمية الأخيرة هي الأكثر شيوعا لدى المتأخرين.
-التنازع لغةً و اصطلاحًا:
التنازع لغة: التخاصم و التجاذب، وتنازع القوم في الشيء: اختصموا، و بينهم نزاعة، أي: خصومة في حق [4] .
واصطلاحًا: أن يتقدم عاملان أو أكثر من فعل أو شبهه، ليس أحدهما للتأكيد، ويتأخر عنهما معمول، أو أكثر، وهو مطلوب لكل واحد منهما من حيث المعنى، ويصح أن يعمل فيه كل واحد منهما دون فساد في المعنى" [5] ."
-سبب تسميته
وجد النحاة في جملة التَنَازُع عاملين يحاولُ كلٌّ منهما الاستئثار بمعمول؛ فالأول يطلبُهُ بحجة أنَّه أحقُّ من العامل الثاني؛ لأنَّه جاء أولًا، والعامل الثاني يطلبه لكونه مجاورًا وملاصقًا له.
ومن هنا نشب التنازعُ بين العاملَيْنِ لمحاولة استئثار كل منهما بذلك المعمول؛ ولمَّا لا يمكن أن يكون الفعل بلا فاعل، كما لا يمكن أن يكون ذلك المعمول فاعلًا للفعلين معا، قالوا تنازع الفعلان على الفاعل كل منهما يطلبه [6] .
-شروط العامل في التنازع
1 -أن يكون بين العاملين ارتباط، فلا يجوز أن نقول: (قَامَ قَعَدَ أَخُوْكَ) إذ لا ارتباطَ بين الفِعْلَيْن، و يحصل الارتباطُ بين العاملين بواحد من ثلاثة أشياء [7] :
الرابط الأول: عطف ثانيهما على أولهما بحرف من حروف العطف، نحو:"قَامَ وقَعَدَ أَخُوْكَ".
الرابط الثاني: كون أولهما عاملا في ثانيهما، نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوْا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللّهُ أَحَدًا} [الجن/7] فالعاملان المتنازعان هما"ظنوا"، و"ظننتم"، والمعمول المُتَنَازع فيه هو قوله:"أن لن يبعث اللّه أحدا"، و"كما ظننتم"معمول لـ"ظنوا"؛لأن الجار والمجرور صفة لمصدر يقع مفعولا مطلقًا ناصبُهُ"ظنوا"، والتقدير: ظنوا ظنًّا مماثلا لظنكم أن لن يبعث اللّه أحدا.
الرابط الثالث: أن يكونَ ثاني العامِلَيْن جوابًا للأول معنويا، نحو قوله تعالى: {يَسْتَفْتُوْنَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيْكُمْ فِيْ الكَلاَلَةِ} [النساء/176] ،أوصناعيًا، كقوله تعالى: {قَالَ آتُوْنِيْ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف/96] .
2 -أن يكونَ العامِلان متقدِّمَين على المعمول [8] ، فليس من التنازع عند جمهور النحاة، نحو قولك:"زيدٌ قَامَ وقَعَدَ"، ولا نحو قولك:"زيدًا لَقِيْتُ، وأَكْرَمْتُ"لتقدّم المعمول في هذين المثالَيْن.
3 -أن يكون كل واحد من العاملين موجهًا إلى المعمول من غير فساد في اللفظ أو في المعنى [9] ، فلا تنازعَ في نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ سَفِيْهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} [الجن/4] ، لاحتمال عمل (كان) في ضمير الشأن؛ فلا تكون متوجهةً إلى (سفيهنا) .
(1) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور (1/ 625) ، وشرح قطر الندى (214) ، والمساعد (1/ 448) ، وشرح التصريح (1/ 475) .
(2) ينظر: شرح المفصل (1/ 77) ، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 625) ، وتذكرة النحاة (336 - 337) ، والمساعد (1/ 448) .
(3) ينظر: الإنصاف (1/ 83) ، وشرح المفصل (1/ 77) ، وتذكرة النحاة (336 - 337) ، وأوضح المسالك (2/ 186) ، وشرح شذور الذهب (425) ، وقطر الندى (214) ، والمساعد (1/ 448) ،وشرح الكافية للرضي (1/ 177) ، وشرح التصريح (1/ 475) ، وهمع الهوامع (5/ 137) .
(4) ينظر لسان العرب، مادة (نزع) (8/ 352) ، والقاموس المحيط (1025) ، مادة (نَزَعَ) .
(5) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور (1/ 625) ، وتذكرة النحاة (337) ،وشذور الذهب (1/ 542) ، وشرح قطر الندى (216) ، وأوضح المسالك (2/ 186) ، وشرح التصريح (1/ 483) ، وشرح الكافية للرضي (1/ 177) ، وحاشية الصبان (2/ 605) ، وهمع الهوامع (5/ 137) .
(6) ينظر: معاني النحو (3/ 142) .
(7) ينظر: شرح ابن عقيل (1/ 425) ، ومغني اللبيب (2/ 584) ، وأوضح المسالك (2/ 186، 187) حاشية رقم (1) ، وشرح شذور الذهب (425) ، وهمع الهوامع (5/ 144) ، وحاشية الصبان (2/ 610) ، وحاشية الخضري (1/ 368) .
(8) ينظر: المساعد (1/ 451) ، وأوضح المسالك (2/ 192) ، وشرح التصريح (1/ 479) ، وهمع الهوامع (5/ 144) ، والأشباه والنظائر (3/ 186) ، وحاشية الخضري (1/ 369) .
(9) ينظر: شرح الكافية الشافية (1/ 288) ، وتذكرة النحاة (337) ، وشرح قطر الندى (218) ، والأشباه والنظائر (3/ 181 - 182) ، وحاشية الصبان (2/ 606) .