فهرس الكتاب
ونظير هذا قوله تعالى: [وَآَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا] {الإسراء/2} ، فالضمير في (وجعلناه) يعود على (الكتاب) ،كونه الأقرب، ولا يمكن حمله على موسى لانتفاء المقتضي لذلك.
إما إذا توافرت القرائن فإنها كفيلة بتحديد المرجع قريبا كان أم بعيدًا، وابرز محددات مرجع الضمير ما يأتي:
1 -السياق
سبق التأكيد أنَّ السياق يؤدي مهمة كبيرة في تحديد مرجع الضمير، فهو- أي السياق - من الأساليب التي يكثر دورانها في التفسير؛ لأنَّه من الوسائل المعينة على فهم دلالة النص, وحسبنا هنا بعض الأمثلة التي يتضح من خلالها أثر السياق في ترجيح عود الضمير على الأقرب.
ففي بعض الآيات ترد ضمائر متعددة في سياق واحد, وتحتمل في مرجعها أقوالًا متعددة, فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد أولى وأحسن؛ لانسجام النظم واتساق السياق , من ذلك عود الضمائر في قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف/42] .
للمفسرين في عود الضمير في قوله (فأنساه) ، وقوله (ربه) قولان [1] : فقد ذهب بعضهم كالطبري [2] ،والنحاس [3] ،إلى أنَّ الضميرين يعودان على يوسف -عليه السلام - ويكون المعنى: أنسى الشيطان يوسف ذكر الله تعالى, فلبث في السجن بضع سنين عقابًا له على سؤاله غير الله.
وذهب آخرون - كالزمخشري [4] ،وابن عطية [5] - إلى أنَّ الضميرين يعودان إلى ساقي الملك, ويكون المعنى: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر قصة يوسف للملك, ولهذا لبث يوسف في السجن بضع سنين.
وإذا تأملنا سياق الآيات وجدناه يشهد للمعنى الثاني؛ فإنَّ الاتفاق قائم على أنَّ مرجع الضمير في قوله: (عِندَ رَبِّكَ) يرجع للساقي, فكان المناسب للسياق أن يكون ما بعده {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} عائدًا على الساقي؛ حتى لا تتفرق الضمائر.
وجاء في سياق القصة قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف/ 45] ، وهذا شاهد قوي على أنَّ الناسي إنَّما هو الساقي, وبهذا التوجيه ينتظم السياق؛ فتصبح (اذكرني) الأولى و (ذكر ربه) الثانية مسندة إلى الساقي, ويكون (عند ربك) و (ربه) أيضًا مرادًا بهما الملك رب الساقي. إنَّ هذا التوجيه أنسب أن يعود إلى الساقي, وأليق بحال يوسف - عليه السلام- وأقرب إلى شخصية الساقي.
وفي قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم/24] . فقد تباينت وجهات نظر المفسرين في تعيين منادِي مريم [6] , فقالت طائفة من المفسرين: المنادِي هو جبريل - عليه السلام -؛ لأنَّه أخبرها بما من شأنه أن يكون توجيهًا من الله تعالى، وممن قال بهذا ابن عباس [7] ،ورجحه القرطبي [8] ، والشوكاني [9] .
وقالت طائفة، منهم-الطبري [10] ، والرازي [11] : إنَّ المنادِي هو عيسى-عليه السلام-, ودليلهم سياق الضمائر, وعودة الضمير في (فنادها) إلى أقرب مذكور، وهو عيسى - عليه السلام-.
ومما يؤيد هذا القول- أيضا - أنَّ الضمائر السابقة في سياق واحد, وكلها تعود إلى عيسى, (ولنجعله) (ورحمة منا) , (فحملته) , (فانتبذت به) , (فنادها) , فهذه خمسة ضمائر كلها عائدة إلى عيسى -عليه السلام -اتفاقًا, إلا ضمير (فنادها) فإلحاقه بها أنسب للسياق، وتوحيد لمرجع الضمائر.
(1) ينظر: زاد المسير (4/ 174) ، والتفسير الكبير (9/ 47) ، وتفسير القرطبي (9/ 166) ، والبرهان (4/ 44) .
(2) ينظر: جامع البيان (12/ 166) .
(3) ينظر: معاني القرآن للنحاس (3/ 429) .
(4) ينظر: الكشاف (2/ 445) .
(5) ينظر: المحرر الوجيز (7/ 517) .
(6) ينظر: جامع البيان (16/ 81) ، والمحرر الوجيز (9/ 450) ، وزاد المسير (5/ 156) ، والتفسير الكبير (11/ 205) ، والبحر المحيط (6/ 281) ، وأضواء البيان (3/ 394) .
(7) ينظر: زاد المسير (5/ 156) ، والمحرر الوجيز (9/ 450) ، والتفسير الكبير (11/ 205) .
(8) ينظر: تفسير القرطبي (11/ 89) .
(9) ينظر: فتح القدير (3/ 332) .
(10) ينظر: جامع البيان (16/ 81) .
(11) ينظر: التفسير الكبير (11/ 205) .