الصفحة 289 من 336

ويشهد لهذا التوجيه - أيضًا - ما جاء في الآية التي بعدها: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم/ 29] ، أي ليتكلم, فلو لم يكن قد سبق له الكلام لما أشارت إليه, وواضح أنها أشارت إليه ليكلموه؛ لأنَّهم قالوا لها في السياق نفسه: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم/29] , وعندها تكلم فقال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم/30] .

وفي قوله تعالى: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ] {البقرة/45} ، عاد الضمير على الصلاة [1] ؛لأنَّها أقرب، ولأنَّ الكلام عليها، فقد تقدم الطلب بإقامتها في الآية قبلها، وهي قوله تعالى: [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] {البقرة/43} .

2 -أن يكون الأقرب محدَّثا عنه:

نحو قوله تعالى: [قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ] {الأنعام:145} فالضمير في (فإنه) تقدم عليه ثلاثة أسماء، وهو صالح لأن يعود إلى واحد منها، والأرجح عند الجمهور أنه عائد على (الخنزير) ،لتضافر القرائن الدالة عليه، إذ هو الأقرب للضمير، ولأنه المحدث عنه. والقائلون بهذا القول اختلفوا مرة أخرى: هل يعود الضمير إلى اللحم فقط، أم إلى الخنزير فقط؟ والظاهر عوده إلى الخنزير فقط للقرينتين السابقتين، ثم إن عود الضمير إليه يشمل اللحم أيضا من حيث التحريم.

ومنه قوله تعالى: [فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ] [يونس/83]

ومنه قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص/30] اختلف في المخصوص بالمدح في هذه الآية [2] فقيل: هو سليمان- عليه السلام -، وقيل: داود- عليه السلام-،والظاهر كونه سليمان- عليه السلام - [3] ، ويرجحه أمران، الأول: أنَّه أقرب المذكورين، والثاني: أنَّه المحدث عنه بدليل ما بعده وهو قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص/31] ،والذي عُرِضَ عليه الخيل هو سليمان- عليه السلام -، كما أنَّ الله وصفه في الآية بأنَّه (أَوَّابٌ) ،ولا يجوز أن يكون المراد هو داود- عليه السلام؛ لأنَّ وصفه بهذا المعنى قد تقدَّم في آية سابقة هي قوله تعالى: {واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص/17] .

(1) ينظر: البرهان (4/ 36) ، والإتقان (1/ 508) ، وتفسير ابن كثير (1/ 103) ،وفتح القدير (1/ 143) .

(2) ينظر: التفسير الكبير (13/ 204) ، والتبيان في إعراب القرآن (2/ 356) ،وروح المعاني (13/ 279) .

(3) ينظر: المحرر الوجيز (12/ 454) ، والتفسير الكبير (13/ 204) ، والبحر المحيط (9/ 153) ، وتفسير القرطبي (15/ 170) ، وتفسير أبي السعود (7/ 225) ، وفتح القدير (4/ 415) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت