فهرس الكتاب
من لم يطعم مطلقًا، ومن اغترف منه غرفة على حدٍّ سواء، وإنما أُخِرَّ الاستثناء بعد الجملة الثانية لكمال العناية به [1] .
ومنه قوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك} [الأحزاب/52] فإنَّه عائد إلى الجملة الأولى، ولا يجوز عوده إلى الأخيرة، وإلا يلزم أن يكون قد استثنى"الإماء"من أزواج [2] ..
كما يرى أكثر المفسرين والمعربين [3] أنَّ الاستثناء في قوله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ} [هود/81] -على قراءة نصب"امراتك" [4] - أنَّه مستثنى من الجملة الأولى"فأسر بأهلك بقطع من الليل"، إذ لو جعل من الجملة الثانية فسد معنى الآية، إذ يلزم منه أنَّ امرأته خرجت معهم، ولما نهوا عن الالتفات استثنيت هي منهم، وهذا معنى باطل.
4 -ومن الآيات ما تعددت فيها أقوال المفسرين والمعربين فيما يرجع إليه الاستثناء الوارد فيها ومبعث الخلاف عدم ورود القرينة الدالة على تحديد جملة بعينها، ومن ذلك قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [النور/4 - 5] .
ولا خلاف بين المفسرين والمعربين أنَّ الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة [5] ، وهو مذهب أبي حنيفة [6] ، واختار هذا المذهب أبو حيان إذ قال -بعد أن عرض الخلاف في هذه المسألة:"والذي يقتضيه النظر أن الاستثناء إذا تعقب جملة يصلح أن يتخصص كل واحد منها بالاستثناء أن يجعل"
(1) ينظر: الكشاف (1/ 381) ، وزاد المسير (1/ 261) ، والبحر المحيط (2/ 587) ، وتفسير أبي السعود (1/ 242) .
(2) ينظر: إعراب القرآن للنحاس (3/ 221) ، والتبيان في إعراب القرآن (2/ 324) ،وتفسير أبي السعود (7/ 111) ، وروح المعاني (22/ 96) ، فتح القدير (4/ 294) .
(3) ينظر: معاني القرآن للأخفش (2/ 357) ، وجامع البيان (12/ 111) ، وإعراب القرآن للنحاس (1/ 179) ، والكشاف (2/ 392) ، والتفسير الكبير (18/ 37) ، والتبيان في إعراب القرآن (2/ 39) .
(4) قرأ ابن كثير وأبو عمر بالرفع وقرأ الباقون بالنصب. ينظر: النشر في القراءات العشر (2/ 290) ، وحجة القراءات (1/ 347) ، والكشف في وجوه القراءات (1/ 536) ،ومعجم القراءات القرآنية (2/ 404) .
(5) ينظر: معاني القرآن وإعرابه (4/ 31) ، والكشاف (3/ 218) ، والتبيان في إعراب القرآن (2/ 244) .
(6) ينظر: الكشاف (3/ 218) ، والتفسير الكبير (12/ 163) ،والبحر المحيط (6/ 433) ،وتفسير القرطبي (12/ 160) .