والنحويون يعدون الفصل بين الفعل والفاعل شيئا قبيحا؛ لأنَّه يهدم الاتصال ويولِّد الإبهام في الكلام. قال ابن جني:"أما الفروق والفصول فمعلومة المواقع أيضا، فمن قبيحها الفرق بين المضاف والمضاف إليه، والفصل بين الفعل والفاعل بالأجنبي، وهو دون الأول ألا ترى إلى جواز الفصل بينهما بالظرف، نحو قولك: كان فيك زيد راغبا .. ، ويلحق بالفعل والفاعل في ذلك المبتدأ والخبر في قبح الفصل بينهما. وعلى الجملة فكلما ازداد الجزءان اتصالا قوى قبح الفصل بينهما" [1] .
ولقوة هذا الاتصال والتقارب الواقع بين الفعل والفاعل منعوا تقدم الفاعل على الفعل، إذ أنَّ الرتبة بينهما محفوظة؛ ولأنَّ الفاعل تنزل منزلة الجزء من الفعل" [2] ."
إلا أنَّهم أجازوا الفصل بين الفعل وفاعله في حالات نادرة ولا سيما إذا كان الفصل غير أجنبي كالجار والمجرور، نحو قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة/1] فصل الجار والمجرور بين الفعل والفاعل لإفادة تقييد التسبيح بالجار والمجرور وتخصيصه به، ثم بالفاعل بين المجرور وصفاته لئلا تطول الشقة بين ركني الجملة بما ليس من أركانها، وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} [النحل/36] .
أو المفعول كما في قوله: {يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنَّعام/158] فصل بالمفعول بين الفعل وفاعله لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة كما أن هذا الفصل أدعى للانتباه من الفصل بين الفعل ومفعوله [3] .
والفصل بالمفعول بين الفعل والفاعل كثير في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا} [الحج/37] وقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [البقرة/124] وقوله
(1) الخصائص (2/ 390) .
(2) ينظر: اللمع في العربية (79) ، وأسرار العربية (1/ 89) ، واللباب في علل البناء والإعراب (1/ 149) .
(3) ينظر: البيان في روائع القرآن (2/ 40) .